الحلقة الثانية: الإعلام الجزائري

إن من أعظم النعم التي أنعم الله علينا بها هي نعمة العقل فعقل كل إنسان يتميز بالخصوصية، فنفكِّر كما نشاء ونتصرف وفق ما نؤمن به من قيم ومعتقدات، ولكن الحضور الدائم في حياتنا لنزعة السيطرة على العقل والتلاعب بالفكر يمثل تهديدًا خطيرًا لمصادرة هذا الحق الإنساني.

أكيد أنه من الطبيعي أن نحاول السيطرة على بعض الأشياء في حيواتنا مع اختلاف نوع تلك الأشياء المعنية بالسيطرة، فبعضنا يحاول السيطرة على أولاده حفاظًا عليهم من الانحراف والتسيب، والبعض يحاول السيطرة على أمواله وأعماله، وآخر يحاول السيطرة على موارده ونفقاته، أما الجزء الذي نشترك فيه جميعًا فهو السيطرة على علاقاتنا الشخصية والمحيط المؤثر فينا، لكن الغريب والسيئ في الأمر فهو سيطرة الحكومات على الشعوب بوسيلة هي التي تنقل لنا المعلومات وتزرع الأفكار فينا، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لنفكر فيها ونطورها، والتي في الغالب لا نهتم لأمرها ولا نشغل أنفسنا باختيار محتواها فتؤثر بالسلب على عقولنا وقراراتنا اليومية، وبالخصوص النشء الصاعد في مجتمعنا.

ومن أمثلة ذلك، هو الإعلام في بلدي، تلك القوة الناعمة التي أضحت أداة هدم لكل ما له قيمة بدل عن أن تكون عكس ذلك، فنجد فيما يتم بثه وبصفة مستمرة:

تحريك للغرائز وإثارتها بأساليب مباشرة وأخرى غير مباشرة.

التستر الممنهج على المشاكل السياسية والاقتصادية الحقيقية التي تبعد المتلقي عن الواقع وتعزله في مشاكله الاجتماعية.

تحريف وتزييف الحقائق، القراءات والقرارات.

حصص تلفزيونية غارقة في الانحطاط «والفشلقة».

توفير محتوى إعلامي سلبي يناسب كل إنسان وكل فئة عمرية، فعلى سبيل المثال: التأثير على المرأة من خلال المسلسلات والمشاهد العاطفية، فهي لم تزل أكثر تقبلًا لها، والتي تتناسب مع طبعها الحاني، أما الرجل فأكثر تفاعلًا مع المشاهد الجنسية والمشاهد العنيفة.

تحريك غريزة الاستهلاك والتسوق لدى الفرد؛ مما جعله يشعره بالثراء وبرغبته الملحة في امتلاك المال المعد للإنفاق، لذا وفرعن طريق الإعلانات السلع بمختلف أشكالها مما دفعه لأقصى مدى من تأصل المال في شخصيته وحب تملكه وتجميعه بأية وسيلة وبأقصى ثمن، وجعله محورًا لحياته.

تحريف وتحريك غرائز المجتمع بصورة سلبية؛ مما دفع الأفراد لتقليد الشخصيات المشهورة التي يركز الإعلام على إظهارها على أنها القدوة، سواء في الأفلام، البرامج وحتى الإعلانات المكررة.

زرع الشبهات من خلال تشويه التوازن بين الدنيا والآخرة عن طريق محاكاة الإعلام الغربي وفرض فكره وإدخاله على المجتمعات العربية.

إن أحد أهم وسائل توجيه الرأي العام وإدارة الإجماع هي السيطرة على الإعلام وذلك ما تقوم به طبقة مؤسسات الأعمال الحاكمة في بلدنا بالفعل والتابعة لفرنسا بطريقة غير مباشرة، وذلك بهدف السيطرة على ما يسمى القطيع الضال الذي لا يحسب مثقفًا أو مطلعًا، فلا يمتلك القدرة على الاطلاع الخارجي أو الفهم الشامل للأمور، ككبار السن من الطبقة العاملة والفلاحين والشباب الذي لا يعنى بتحليل المشاكل، بالرغم من مستواه الدراسي الجامعي، ليقتصر دور كل منهم على المشاهدة فقط وترديد ما يسمع أو يرى، ولا يتعدى تلك المرحلة إلى تحليل الأمور، فهو لا يبحث في المشاهد إلا عما يمكن أن يردده أو يتحدث عنه في جلسة نقاش ليظهر بصورة المطلع، لكن عن غير دراية فيؤذي نفسه بالدفاع عن فكرته الخاطئة التي اكتسبها من الإعلام ويؤذي الآخرين بتمرير تلك الأفكار لهم.

فعلى سبيل المثال: ما تم تداوله من يومين في قنوات الإعلام المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي حول وقف دبي للتأشيرة عن الجزائريين وهو خبر كاذب هدفه هو تحريك الشعب لمقاطعة كل ما هو إماراتي كرد فعل بالمثل، والسبب أن وزير التجارة في خلال لقائه بسفير الإمارات طلب من هذا الأخير جلب رجال الأعمال الإماراتيين من أجل الاستثمار في الجزائر، وهذا الأمر الذي لم يعجب، بل أغضب فرنسا وعملاءها بالجزائر؛ ما جعلهم ينشرون الأكاذيب، والشعب ككل مرة يتلقى المغالطات ويقتنع بها من دون تحليل أو تقصي للحقيقة.

إن الإعلام يا سادة قد صار سلطة ثانية وهو الأداة المهمة إن لم تكن الأهم التي تتخذها الحكومات والهيئات والمؤسسات في السيطرة على الأفراد والجماعات وتوجيههم نحو أهداف معينة، وذلك بزرع أفكار معدة مسبقًا في عقولهم عن طريق استخدام الدعايات وتجاهل الرأي الصائب والتجاوز عن بعض ما تراه الحكومات أخبارًا لا تهدف للصالح العام حتى وإن كانت مهمة للفرد والمجتمع. فالإعلام السلبي ما هو إلا إلهاء للشعوب وأداة للكذب والتضليل الممنهج بما يفعله من تضخيم القضايا وإعطائها صبغات تظهرها للمتلقي بمظهر قضية الرأي العام التي يجب أخذها بعين الاعتبار. في حين يصرف انتباه المتلقي عن القضايا الهامة والمصيرية، ذلك الذي يصب بدوره في مصالح السياسيين ورجال الأعمال، أو لتحقيق مصالح شخصية لفئة معينة فرنسا وأتباعها بالتحديد مما يؤثر داخليًا وخارجيًا على المدى القريب، المتوسط والبعيد.

إن الإعلام كقوة ناعمة، كان وما زال هو الوسيلة والأداة الأهم في الحرب النفسية التي لا تحتاج إلى سلاحٍ أو إخضاع بالقوة، وعلى هذا فإنه من العجيب أننا نحن البشر ننساق وراء كلمات الإعلاميين بكل ما تحمل من أفكار وآراء دون النظر فيها أو تحليلها بالطرق المثلى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد