ظل النسق السياسي المغربي منذ الاستقلال نسقا تقليدانيا (Traditionnaliste) ينزع باستمرار نحو الرغبة في الاستفادة من معيارية الديمقراطية و مزايا الدولة التحديثية، دون الانسلاخ التام عن جذور التقليد بحمولاته المادية والرمزية، فيما يشبه نوعًا من الذهاب و الإياب بين التقليد والحداثة، بين الأصالة والمعاصرة. ويتميز هذا النسق بتوتر بنيوي بين هاجس الاستمرارية ورهان التغيير السياسي، بما يكرس نوعًا من التردد الديموقراطي، كما أن هذا الطابع الهجين يجعله غير ممأسس بشكل كامل، حيث يتعايش المسكوت عنه والمضمر، إلى جانب ما تصرح به القواعد المعيارية والشكلية.

وتجسد هذا التوتر والتناقض في السياق السياسي الراهن، فيما سمي بالانسداد السياسي Blocage الذي حال دون تشكيل رئيس الحكومة المعين السيد عبد الإله بنكيران للأغلبية الحكومية، وذلك بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على تعيينه من قبل الملك. هذا الوضع دفع بالبعض من المتخصصين وغير المتخصصين إلى حبك سيناريوهات دستورية سطحية تحاول أن تحمل النص الدستوري أكثر مما يحتمل (الفصل 47)،ف ي غياب أي تساؤل حول الطابع الواقعي أو المافوق واقعي لهذا الانسداد، وعن دوافع الفاعلين القابعين وراء هذه العملية ورهاناتهم،في ظل نسق سياسي ما زالت شخصنة السلطة أحد محدداته الأساسية، حيث تحضر بجرعات قوية، وبشكل يبدو أنه أصبح عرقلة حقيقية لدمقرطة الدولة والمؤسسات وبناء دولة القانون. فهذه العملية وفق هذا التحليل لا تعدو أن تكون مجرد استراتيجية من الاستراتيجيات السلطوية تطلبتها الظرفية الراهنة، وترمي إلى تقوية سلطة فاعلين استراتيجيين معينين مقابل تقليص أو طمس هامش الفعل والمناورة La marge de manœuvre لدى فاعلين آخرين على المدى المتوسط والبعيد، خاصة وأن رئيس الحكومة السابقة حاول غير ما مرة أن يستعرض عضلاته أمام السلطة والتذكير بمشروعية التمثيل الذي يحظى بها التيار السياسي الذي يمثله، بعد تصدره نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

من هذا المنطلق، وفضلًا عن التوتر البنيوي السالف الذكر والذي ظل مرافقًا للسياسة ببلدنا، إذ  لم تزده الإصلاحات الدستورية والسياسية المتواترة منذ الاستقلال، إلا رسوخا وقوة،نتساءل، من منظور آخر، لماذا يعجز الفاعل السياسي عن المساهمة بنجاعة وفعالية في إنضاج التجربة الديمقراطية في المغرب وتكريس دولة القانون والمؤسسات، بروح من الالتزام والمسؤولية والابداع الخلاق، وبما يجعله مؤثرًا في دينامية التغيير السياسي؟

يبدو أن الفاعل السياسي في السياق السوسيوسياسي والثقافي المغربي يعيش أزمة مزدوجة: أزمة خطاب، وأزمة فعل.

تأزم الخطاب السياسي

لا شك أن المتتبع العادي والمختص للخطاب التداولي في حقل السياسة بالمغرب، سيلاحظ انحدارًا مروعًا لهذا الخطاب في السنوات الأخيرة إلى مستويات قياسية من الرداءة والشعبوية، بشكل يجعلنا بحق أمام أزمة حقيقية.

ولعل من تجليات هذه الأزمة الطابع الانشطاري المزدوج لخطاب الفاعلين السياسيين، فخطاب السيد عبد الإله بنكيران عندما كان أمينًا عامًا لحزب معارض، يختلف جذريا عن خطابه بعدما أتت به رياح ما سمي إعلاميًا بالربيع العربي سنة 2011 إلى قيادة الحكومة السابقة، ويمكن أن نقف على هذا التناقض الصارخ في العديد من القضايا وعلى عدة مستويات. وقس على ذلك خطاب الأمين العام لحزب الاستقلال السيد حميد شباط الذي قال في بنكيران وجماعته ما لم يقله مالك في الخمر، قبل أن يعود ليخطب وده من جديد قبيل وبعد انتخابات 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضية. خطورة هذا الخطاب الانشطاري تكمن في فقدان المتلقي للثقة في رجال السياسة واتهامهم بتوظيف الأخلاق لخدمة مصالحهم ورهاناتهم الخاصة.

لاحظنا كذلك أن رئيس الحكومة المكلف بتشكيل الحكومة بعد انتخابات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2016 التشريعية،لم يتمكن من تشكيلها بعد مرور شهور عن تكليفه من قبل الملك محمد السادس، وذلك في ظل ضبابية كبيرة، وتناقض صارخ أحيانًا في خطابات الفاعلين المكلفين بتشكيل الحكومة،والضعف الحجاجي لخطاب كل طرف، وعجزه عن إقناع مفاوضيه، وكذا الرأي العام بموقفه. فيظهر من خطاب رئيس الحكومة المعين،السيد عبد الإله بنكيران، أن تحمل المسؤولية الحكومية وتولي المناصب الوزارية لا يرتبط في تمثله وتمثل حزبه بالخبرة والكفاءة والتناسب بين الشخص والمنصب الذي يتولاه، بقدر ما يرتبط بمحددات أخلاقية وقيمية: الطهرانية ونظافة اليد، الاستقامة، المواطنة، الصلاح والتقوى… فهل بالأخلاق وحدها يمكن للفعل السياسي أن يكون فعالًا وناجعًا، لا سيما وأن الولاية الحكومية السابقة كشفت عن عجز كبير في تدبير العديد من السياسات الاجتماعية والاقتصادية…؟

زيادة على هذا، لاحظنا أن خطاب الفاعلين البرلمانيين خلال الولاية التشريعية السابقة، بلغ حدًا من التردي لم يسبق له مثيل، عندما تحولت الجلسات العامة من نقاش سياسي حول المشاريع المجتمعية والبرامج والسياسات العمومية إلى تلاسنات حادة وعنف رمزي ومادي أحيانًا، بشكل جعل المتلقي لهذا الخطاب لا يدرك الفاعلين داخل هذه المؤسسة التمثيلية إلا من خلال الفرجة والنكتة والسخرية أحيانًا، ومن خلال الفضائح التي تتسرب من هنا و هناك، وهي أنماط حضرت بقوة على شبكات التواصل الاجتماعي: صور، فيديوهات…

إن هذا الخطاب ساهم في تآكل مصداقية البرلمان و البرلمانيين لدى الرأي العام؛ ما عزز أكثر عزوف المواطنين عن صناديق الاقتراع، وإقبالًا متزايدًا على الشارع العام والقنوات البديلة للسياسة، وتفاقم العنف والعنف المضاد وظواهر التطرف والإقصاء.

إن أزمة الخطاب السياسي في نظرنا تكشف عن أزمة أعمق، تتعلق بأزمة إنتاج الأفكار لدى النخب الحزبية المغربية، التي غدت مع كامل الأسف تفتقد إلى عقول مفكرة تستطيع أن تمنح لهؤلاء السياسيين رؤية و معنى، مقابل حضور قوي لذوي المال والنفوذ الذين يفكرون بجيوبهم أكثر مما يفكرون بعقولهم، وبعدما انقطعت الصلة بين هذه التنظيمات والجامعة كمشتل لإنتاج النخب المؤهلة، و القادرة على إبداع برامج ومشاريع مجتمعية يمكن أن تترجم إلى سياسات عمومية في حال وصولها إلى مراكز القرار.

ما أحوجنا اليوم إلى نموذج لسياسي محاور بهدوء و روية، قادر على صياغة خطاب عقلاني مقنع بالحجة المنطقية، وليس عن طريق الانفعال وحشو الكلام وترويج المغالطات، سياسي فاعل وغير منفعل،ل ا يراهن فقط على دغدغة عواطف الناس ومحاولة التباكي معهم أحيانًا ولعب دور الضحية، في شكل مقيت من الشعبوية.

وهكذا يبدو أنه من المستحيل الخروج من الأزمة بخطاب مأزوم!

إشكالية محدودية الفعل السياسي

إذا كانت الأحزاب السياسية المغربية تميل أكثر في علاقتها بالدولة إلى ما سماه MairوKatz بأحزاب الكارتل (Partis cartels)، فيبدو أن علاقتها بالمجتمع يطبعها نوع من الجمود والانتهازية، ما يجعل تأثيرها محدودًا وضعيفًا جدًا، لا يتعدى في أحسن الأحوال حضورها الموسمي والمؤقت من خلال الحملات الانتخابية ببرامج غامضة ومتشابهة في غالب الأحيان، بعيدة كل البعد عن ملامسة الواقع الاقتصادي والاجتماعي، ما دامت هذه البرامج تصاغ داخل مكاتب مكيفة دون استحضار حالة الأمكنة (L’état des lieux).

وبالمقابل تغيب أدوار هذه الأحزاب في التكوين والتأطير والتنشئة السياسية، بما من شأنه ان يساعد المواطن على معرفة بالواقع، و إدراك وفهم الأحداث، وتملك ما يسميه السوسيولوجي بيير بورديو بالكفاية السياسية (La compétence politique).

وليس غريبًا في ظل هذا الوضع الملتبس، أن يكون أداء الفاعل البرلماني والحكومي دون المستوى المطلوب، فمحدودية أداء البرلمان على المستوى التشريعي والرقابي والتقييمي، لا يعزى فقط إلى أسباب بنيوية وظيفية مرتبطة بما يسمى بالبرلمانية المعقلنة (Parlementarisme rationalisé) والتي تحددها الهندسة الدستورية، بل كذلك إلى الفعل وطبيعة سلوك الفاعل والمعنى الذاتي الذي يصبغه على فعله، والصور الذهنية التي توجه هذا السلوك. فسلوكات الترحال والغياب والانسحاب من الجلسات العامة ومضمون الأسئلة الشفوية وطبيعة الاقتراحات والمشاريع، تبقى عصية على الفهم دون محاولة النفاذ إلى أبعادها السوسيولوجية والأنثروبولوجية العميقة، ودون ربطها بالتفاعلات مع النسق السياسي العام وطبيعة توازناته؛ مما يجعل السياسة في آخر المطاف علم تعقيد بامتياز!

إن ملاحظة دقيقة لنسق الفعل الملموس (Système d’action concret ) يظهر أن الثقافة السياسية للفاعلين في السياق السوسيوسياسي المغربي، تغلب منطق التوافقات بدلًا عن  منطق الصراع والتفاوض والتنافس السياسي والندية، منطق التبعية والخضوع و الولاء التقليدي، تحت غطاء الخصوصية أو الاستثناء، فأصبح هذا الفعل لا ينتج السياسة بقدر ما يعيد إنتاج السلطوية، بالرغم من كل أشكال الاستقلالية المؤسساتية والدستورية.

إنها ثقافة تنتصر كذلك لمنطق الغنيمة كمحدد للممارسة السياسية للفاعلين، والرغبة في الظفر بأكبر قدر من المنافع والخيرات المادية والرمزية المرتبطة بهذا المنصب أوذاك، حتى وإن كان ذلك على حساب مصلحة الوطن، وباسم الدفاع عن مصلحة الوطن، وهو ما جسده بالفعل مفاوضات الأحزاب السياسية بشأن تشكيل الأغلبية، والذي عبر عنه ملك البلاد بعبارات واضحة في خطاب داكار السنيغالية بمناسبة الذكرى 41 للمسيرة الخضراء. فالأمر لا يتعلق البتة بتباين في الرؤى والأفكار الحزبية،بالنظر أولًا إلى أن جل  هذه التكتلات أبانت عن عجز كبير وواضح في صياغة برامج انتخابية واقعية تستجيب للحاجات المجتمعية الملحة كما ذكرنا آنفًا، وثانيًا لكون النقاش والخطابات التداولية المتعلقة بهذه المشاورات لا تشير من بعيد أو من قريب إلى طبيعة وتوجهات البرنامج الحكومي المرتقب، و الذي من المفترض أن يكون الأرضية الأساسية للتوافق بين هؤلاء الفرقاء.

هذا الوضع المتعثر في مسار تشكيل الحكومة، والذي يبدو أنه وصل إلى النفق المسدود، سيعيد تنشيط المسكوت عنه في الدستور،ويفسح المجال للملك كفاعل مركزي من أجل النظر و دفع الأطراف إلى تجاوز الخلافات وحسم المشاورات وإخراج الحكومة المنتظرة إلى حيز الوجود.

وبين هذا وذاك، يظهر أن المجتمع المدني في الطرف المقابل للنظام السياسي، يعاني هو الآخر من ترهل ووهن مرتبط أساسًا بإشكالية استقلاله الوظيفي عن الدولة ومؤسساتها؛ مما يحد من فعله وفعاليته، وذلك بالرغم من الأدوار الدستورية الجديدة التي أضحى يتمتع بها في إطار الديمقراطية التشاركية (دستور 2011).

كما يلاحظ في الآونة الأخيرة بعد الحراك الاجتماعي لسنة 2011، تنامي وتيرة التسييس والأشكال الشعبية للفعل السياسي من خلال الاحتجاجات الفردية والجماعية، والتي اتخذت في العديد من الحالات طابعًا مميتًا في العديد من المناطق والجهات، ما يجعلنا ندق ناقوس الخطر بخصوص تداعيات ومآلات هذا الاحتقان الاجتماعي، والذي قد ينذر بما لا تحمد عقباه إذا استمرت القنوات الرسمية في عجزها عن إبداع حلول ومخرجات للمعضلات الاجتماعية التي تتفاقم يومًا بعد يوم، مع استحضار المراهنة الخاسرة على تخريب المدرسة العمومية والجامعة. هذا الوضع قد يهدد استمرارية الدولة والمؤسسات على المدى المتوسط والبعيد، خاصة وأن هناك ثقافة شعبية صاعدة تحاول باستمرار أن تسائل المؤسسات عن قراراتها وتدبيرها للشأن العام.

إن هذه الأزمة المزدوجة التي حاولنا مقاربتها من خلال هذا المقال، ليست في نهاية الأمر سوى نتاج منطقي لغياب ترسخ الديمقراطية كنسق قيمي وثقافي متجذر داخل البنى الاجتماعية من جهة، ولدى الفاعلين من جهة ثانية، وذلك بالرغم من تمسكنا الشديد بمعياريتها القانونية والمؤسساتية: دستور – آليات انتخابية – مؤسسات تمثيلية….

فالديمقراطية ليست فقط مسألة مؤسسات وقوانين، بل هي استنبات اجتماعي راسخ، فالمجتمعات على حد تعبير ميشيل كروزييM.Crozier لا يمكن تغييرها عن طريق القوانين.

فإلى متى سيظل الفاعل السياسي والاجتماعي في دوامة إنتاج و إعادة إنتاج اللامعنى ووأد السياسة كفن و إبداع خلاق؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المغرب, حكومة
عرض التعليقات
تحميل المزيد