منذ أواخر السبعينات، وبعد توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، وبعد مرور عقود من الزمان على إبرام المعاهدة نطرح هذا السؤال: هل غير الموساد الإسرائيلي من عقيدته الاستخباراتية التي تعتبر مصر هي العدو الأول والأساسي لإسرائيل، والتي من خلالها خاضت إسرائيل العديد من الحروب ضد مصر من عام 1948 إلى عام 1973. والتي لولا مصر لتمدد وتوسعت حدود إسرائيل أكثر وأكثر مما هي عليه.

فتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي منذ حرب 1948، والتي شاركت فيها مصر مع بعض الدول العربية مرورًا بحرب 56 و67 وانتهاءً بحرب العبور 1973، فتاريخ هذا الصراع يشير إلى أن القوة التي تقف ضد الأطماع الإسرائيلية في المنطقة هي مصر، وكانت آخر الحروب حرب 73 كانت هي الدرس القاسي لهم ردًا على أحلامهم وأطماعهم في التوسع والاستيلاء على أراضي الغير لإقامة ما يسمى بإسرائيل الكبرى من النيل للفرات.

فبالرغم من الاستعدادات الهائلة التي أقامتها إسرائيل على الضفة الشرقية للقناة، ورغم الخسائر التي تكبدها الجيش المصري في حرب 67، إلا أنه بالرغم من كل ذلك استطاع الجيش المصري أن يلقن إسرائيل درسًا قاسيًا، وعبر للضفة الشرقية للقناة، واجتاز خط بارليف المنيع، وحطم أسطورة الجيش الإسرائيلى الذي لا يقهر.

وبعد تجربة 73 كان لإسرائيل أن تلجأ بلا شك إلى وسائل أخرى بعيدًا عن المواجهات العسكرية مع مصر وجيشها، وهنا مربط الفرس.

وهنا يأتي دور الموساد الإسرائيلي في تحقيق آمال الإسرائيليين في التوسع، وفي محاولة السيطرة على المنطقة، ومن ضمنها مصر، وذلك عبر الوسائل الاستخباراتية، والتي قد تحقق بنسبة ما الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل بعيدًا عن المواجهات العسكرية، والتي تكبدهم خسائر كبيرة، خاصة في الأرواح، خصوصًا وأننا نعلم أن عدد السكان لديهم ليس كبيرًا.

لذلك نجدهم حريصين أشد الحرص على الحفاظ على الأرواح، خاصة من العسكريين، ولجوؤهم إلى الأساليب الاستخباراتية التي يستعملها الموساد الإسرائيلي، والتي لا تكبدهم خسائر في الأرواح بنفس القدر الذي يحدث في المواجهات العسكرية.

وللموساد الإسرائيلي أساليب لا تختلف كثيرًا عن الأساليب الاستخباراتية المعمول بها في أجهزة الاستخبارات الدولية، إلا أنهم يتميزون بالإعداد الجيد لعملائهم وانتقائهم بعناية شديدة، بالإضافة لذلك قدرتهم على جمع المعلومات وتحليلها واستنباط النتائج منها، حيث إنهم يتمتعون بثقافة عالية، والعمل على تحقيق أهدافهم في أضعاف من حولهم من دول وشعوب المنطقة، وعلى رأسهم مصر من أجل تحقيق حلم التوسع، وإقامة دولتهم الكبرى من النيل للفرات والسيطرة على المنطقة (الشرق الأوسط الكبير)، بل حكم العالم عن طريق منظماتهم الصهيونية والماسونية.

وإذا كنا في الماضى ضمن المجتمعات المغلقة على نفسها، وكانت هناك حيطة في نشر المعلومات، إلا أننا الآن أصبحنا في زمن العولمة والسموات المفتوحة والإنترنت، والخبر الذى يحدث في مكان ما في العالم تستطيع أن تعرفه في نفس اللحظة والتوقيت وببث مباشر في حينها، كل ذلك وأنت على بعد أميال وأميال من موقع الحدث.

كل هذا بالتاكيد يسهل عمل أجهزة الاستخبارات، ومنها بالطبع الموساد الإسرائيلي، والتي كان يلقى مشقة كبرى في جمعها في السابق، فما كان يبذله الموساد الإسرائيلي في السابق على سبيل المثال من أجل الحصول على خبر من صحيفة مصرية كالأهرام نجده الآن يحصل على الجريدة بكاملها عن طريق الإنترنت.

فبالتأكيد أنه بالرغم من معاهدة السلام الموقعة، إلا أن الموساد الإسرائيلى لازال يعمل جاهدًا، وبكل عزم على تحقيق الأهداف الإسرائيلية في التوسع والسيطرة على المنطقة، وعزاؤنا الوحيد أن مصر تملك أجهزة استخبارات من أقوى أجهزة الاستخبارات في العالم، وأن هذه الأجهزة تقوم بالتأكيد دون أدنى مجال للشك في التصدي لمحاولات جهاز الموساد في السيطرة على دول المنطقة ومنها مصر.

وفي ظل زمن العولمة فإن قواعد اللعبة وأساليبها قد تغيرت، فلا يكفي مثلًا أن نحجب موقع الموساد الإسرائيلى على النت داخل الدول العربية أو في مصر؛ لأن ذلك أصبح غير كاف؛ لأن هناك برامج لفك الحجب عن المواقع المحظورة، والذي من خلاله تستطيع أن تفتح أي موقع محجوب على الإنترنت في بلدك.

كما أن الموساد الإسرائيلى يسعى لاستقطاب العملاء ويرحب بهم من جميع دول العالم، ومن بينها الدول العربية، ولا يكتفي بذلك، بل يخاطبهم بلغاتهم ويعطيهم قواعد السلامة والأمان في مراسلته.

وهنا يأتي دور الثقافة والتنوير في كشف مخططات الموساد الإسرائيلي من أجل تدمير دول المنطقة، فالثقافة والتنوير هما الحصن المنيع والترياق الشافي من أجل تحصين شبابنا ومجتمعاتنا ضد الأخطار التي تحيط به، فمجتمع بلا ثقافة حقيقية هو أشبه بإنسان بلا عقل يسهل اقتياده كالحيوانات والدواب، وهذا ما نجده الآن في (الدواعش)، سواء في سيناء أو خارج مصر.

غنهم مجرد بشر بلا عقل، مقتادون بعد غسل رؤوسهم وعقولهم وتزويدهم بأفكار تخدم الذين يقودونهم، فإن لم نتحصن بالثقافة الحقيقية؛ فسيظهر لنا مليون ومليون داعشي وإرهابي جدد، سواء بالشكل الذي هم عليه الآن، أو في أشكال جديدة، ومختلفة عما هم عليه الآن.

وبجانب الثقافة يجب أن ننشر الفكر الديني المستنير لكافة الأديان بعيدًا عن التطرف، أو التعصب، وأن نعي حقيقة وجوهر الأديان التي تدعو للتسامح والعيش في سلام، وبدون ذلك كله سوف نكون لقمة سائغة لمخططات الأجهزة المعادية، وليس الموساد فقط، واعتقد أنه بمرور الوقت وتبدل الأحوال سوف تتكشف لنا العمليات التي كان يقوم بها الموساد الإسرائيلي في الوقت الحالي (فترة السلام)، والتي يكون الستار مسدلًا عليها الآن بسبب قواعد اللعبة.

فمن المعروف أن العمليات الاستخباراتية التي تكتشف لا يتم الإفصاح عنها إلا في أوقات معينة، وبعد مرور فترة ما من الزمن حفاظًا على أسرار الأمن القومي، ومصالح الدولة العليا، ومن الحقائق المؤكدة أن الموساد الإسرائيلي لن يقف مكتوف الأيدي أمام أي تقدم تحققه أي من الدول العربية، لأن أي تقدم لها هو إضعاف لإسرائيل، ويعتبرونه تهديدًا له، ولأمنه القومي واستقراره، فهم يوقنون أن ازدياد قوة العرب هو إضعاف لهم.

لذلك سيسعى دومًا الموساد الإسرائيلي إلى تجنيد العملاء والجواسيس مستغلًا إما ضعفهم، أو قل ثقافتهم، والاحتياج للمال أو استغلال أي جوانب أخرى كالجنس أو الأيديولوجيات المتصارعة من أجل تحقيق أهداف إسرائيل، فمع احترامنا لاتفاقية السلام، فإن إسرائيل وجهازها الموساد لن تمنعهما الاتفاقية من العمل المستميت من أجل تحقيق أهدافهما، وعلينا أن نعي تلك الحقيقة، وأن نعمل حائط صد ضد محاولاتهم للسيطرة على أوطاننا العربية وخيراتها وأبنائها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد