قد يولد الولد من دون أب، لكنه لن يولد أبدًا من دون أم والوطن هو الأم التي ترعانا، هو الحضن الواسع الذي نلجأ إليه في لحظات ضعفنا، وأثناء عجزنا، لن نحس بالسكينة إلا فيه، ولن ننعم بالراحة والهناء بعيدًا عنه، فهو القطعة أو الرقعة الجغرافية التي يقول فيه الشعر أنه الحضن الدافئ الذي أشم فيه ريحة أمي، وأشعر فيه بأمان أبي.

حب الوطن من الإيمان ووجب أن يقترن حبنا لوطننا في أفعالنا اتجاهه في ما قمنا به إذاءه من أمور تساهم في بنائه والمحافظة عليه وفي النهضة به، والسعي بكل ما أوتينا من علم وقوة للارتقاء به. صحيح أننا اليوم في أوطاننا العربية لا نعيش الحياة التي نتمنى، والتي هي من حقنا، أو الحياة التي يتمتع ويتنعم بها أقراننا في البلاد الغربية من جميع النواحي والجوانب، وعلى جميع الأصعدة، سواء كانت مادية، أو معنوية، اقتصادية، اجتماعية، وغيرها. لكن لا يجب علينا ربط حب وطننا بالظروف السياسية أو الأوضاع الاقتصادية التي يمر بها، ليس من حقنا كرهه أو نبذهه بسبب النظام الحاكم وممارساته. هنا نكون قد أخللنا بقاعدة الحب الأساسية، والتي تنص وتأكد على قبول الحبيب بكل عيوبه ونقائصه قبل محاسنه. فالرئيس أو الملك أو الوزير أنى كان المنصب الذي يشغله ففي النهاية هو مواطن مثلنا، وهو موظف في خدمة البلاد والعباد. فهو يسعنا جميعًا وملكنا كلنا فهم لا يحتكرون الوطن، هم فقط يحتكرون المناصب إذًا فليأخذوا المناصب وليتركوه لنا لنحبه.

فالوطنية تعني التضحية من أجل الوطن، وفي سبيله مهما كانت قيمة ونوع هاته التضحية فقبل أن نتحدث ونستفسر عن ظروفنا المعيشية الصعبة، وحالتنا المادية المزرية في أوطاننا. يجب أن نسأل أنفسننا أولا ماذا قدمنا نحن للوطن أكنا خير سند له؟ أكنا خير سلف لخير خلف (الشهداء في البلدان التي عاشت حقبة استعمارية وقدموا أرواحهم من أجل حرية الوطن) أفينا اليوم من بادر بغرس شجرة في الشارع الذي يسكن فيه، أو أمام منزله من أجل إعطاء منظر جميل لحيه. هل فينا من شارك في حملات التنظيف لإعطاء مدينته أو محافظته صورة بهية. أهناك من تطوع لدهن المقاعد في حديقة عامة. أوليس فينا من يعمل على خدمة وتحقيق المصلحة العامة، ويقدمها على مصلحته الشخصية. أكانت خدمة المجتمع ضمن أولوياتنا؟ هل قدمنا للوطن أوعلى الأقل فكرنا فيه دون أن ننتظر المال أو المنصب أو الجاه؟

إذًا فمن أجل حب الوطن فعلى أبنائه أن يجدوا ويجتهدوا ويصنعوا لأنفسهم مكانة بين باقي الشعوب. لا سيما أن الوطن مثل الأم الحنون، التي تفخر بإنجاز أبنائها فالمشكلة في تغيير الإنسان وفكره، فلماذا اليوم نزرع في نفوس شبابنا، أنه وجب عليهم الموت بسرعة لكي يرتاحوا، لماذا لا نقول لهم عيشوا أكثر أنتجوا أكثر لعل الله يرفع بعملكم درجاتكم في الجنة. نحن نحتاج للتغيير حتى نرفع كفاءاتنا فكلما أعطى الأبناء أكثر، زادهم الوطن أكثر فأكثر، فهو في الولادة يمنحك اسمه وانتماءه وفي الحياة يمنحك الأهل والبيت، وفي الموت يحتويك بترابه ويضمك إليه، فوجب أن يبقى الوطن أولويتنا ويبقى عطاؤنا له بلا حدود.

سيأتي زمان يكون فيه الوطن العربي بأمس الحاجة إلى وقفة مشرفة من أبنائه، فهل سنلبي النداء ونكون عند حسن أوطاننا بنا. شخصيا اليوم أضحى صدري أضيق من أن يستوعب شعوري بالفخر والاعتزاز بالانتماء إلى جزائر العزة والكرامة، بلاد المليون ونصف المليون شهيد. فأنا مغرم جدًا ببلادي ولكنني لا أبغض أي أمة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد