لقد انتشرت مقولة زمن الرواية، في إشارة إلى تفوق الرواية جنسًا أدبيًّا، ناهيك عن تسويق خاص من طرف دور النشر، التي تُقبل على الرواية أكثر من غيرها؛ نظرًا إلى اهتمام المتلقي بها، مقارنة بالأجناس الأدبية الأخرى، وتأثيرها في نسبة المبيعات، خصوصًا بعد استحداث جوائز خاصة لها، مما أدّى أيضًا إلى انصراف عدد كبير من الشعراء وكُتاب القصة إليها. وهذا صار اليوم مغالطة كبرى، إذ تشير كل الدراسات إلى أن المستقبل سيكون للقصّة القصيرة. وسنعرض في هذا المقال مجموع الدلائل التي تحمل حقيقة هذا البعد الأدبي، بانحسار تأثير الرواية أم القصّة القصيرة.

في البداية، وتحت تأثير تسارع الزمن وتحوّل الواقع المعيش إلى زمن السرعة، صار من الممل قراءة عمل سردي واحد قد يتجاوز المائتي صفحة. في حين أنّ القصّة القصيرة تقوم على الإمتاع بصنعة سردية عبقرية في وقت وجيز. ولعل ما ذهب إليه الكاتب الأمريكي الكبير إدغار آلان بو بأنّ الأقصوصة قطعة واحدة تقرأ في نصف ساعة، خير دليل على ذلك.

وفي معرض حديثنا عن إدغار بو، فقد التفت نُقادّ القصة لحديث بو عن أثر الشخصية المُفردة في القصة القصيرة، وشرعوا يأخذون بمبدأ القاعدة التي تقوم على وحدة الحدث، والحبكة، والشخصية، عكس الرواية التي قد تجمع في طياتها العديد من الفاعلين، مع تشريعات سردية معقّدة، وذلك يُعدّ مغايرًا لما اعتاده النقد السردي عمومًا، وخصوصًا من ناحية إسناد السرد للراوي المشارك في القصة، باستخدام ضمير المتكلم، والعناية المُفرطة بنهايات القصص. فالصور الوصفية والقصصية ليست إلا امتدادًا لهذا الفن الجميل الذي برع فيه العديد، بينما حملت الرواية امتدادًا ورقيًّا مجانيًا ضرب في مقتل ملكة التركيز والمتابعة عند القارئ.

فالسرد القصير والممتع يقطر شعبية، وهو أشد تعبيرًا عن الفئة الأدنى وعن الظواهر الاجتماعية، التي ظلت مبعث إلهام، مع اعتماد التكثيف والاختزال، والبعد عن التقعر والألفاظ المهجورة. يُستنتج إذن من كل هذا أن القصة القصيرة قد راهنت على الإبداع، وأن هذا الفن يُواصل الصعود، بدليل استقطابه للعديد من الكُتاب الشبان، وأن مقاييسه النقدية لم تبلغ حدًّا من الثبوت أو الجمود الذي بلغته مقاييس الإبداع في فنون أخرى. وبالتالي فإن الثيمة المحورية التي تنهض عليها القصة القصيرة هي الأدوات الفارقة في الاستقصاء البحثي، والفني، والفلسفي، والاجتماعي، بحيث يبدو المُتلقي، وكأنه خبير بإحصاء مكاسب الدهشة في ذروة السرد.

فهل تتشهّى القصة القصيرة الحداثة، بهذا العمق الذي تتكئ عليه، وهذا الزخم المتواتر، لتشحذ همّة القارئ في الالتفات إليها، وهل أصبحت موفورة الحضور في زمن التحولات المتسارعة.

كل هذه الأسئلة قد تكون مبحثًا مهمًّا في دراسات نقدية لواقع القصّ مستقبلًا؛ فالقصّة القصيرة هي فن الأزمنة والأمكنة الشعبية كلها؛ لأنها فن اللغة العادية المألوفة، والنثريات المعيشية اليومية، عكس لغة الرواية المعقّدة القائمة على الارتداد والتفصيل الممل أحيانًا، وأيضًا هي فن التحديث والتجريب والمغامرة، وهي فن صار يحظى باهتمام النقد والنقاد، كأنها في هذا السياق فن مركزي، ربما لأنها عاشت في واد بين خطابين ضخمين في الثقافة والإبداع: أحدهما الشعر، والآخر الرواية؛ فكانت هذه القصة القصيرة دومًا تزهو بسردية الرواية من جهة، وبشعرية الشعر من جهة أخرى، مع كونها أمّ الرواية لا ابنتها أو أختها، وأنّها تمتح أو تستقي من حوض إيقاع الشعر وكثافة لغته التصويرية.

في الختام، نشير إلى أنّ حصول قاص سنة 2011 على جائزة نوبل للآداب، دليل آخر على صعود نجم القصّة القصيرة، التي هي أم الرواية، ومنها يتعلم الشعر معنى السرعة في وسم صورته الشعرية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القصة
عرض التعليقات
تحميل المزيد