أغلب مشكلاتنا الراهنة مصدرها سوء التواصل، وسوء فهم الآخر، والتسرع في إعطاء الأحكام، التي غالبًا ما تكون جاهزة وحاضرة في الذهن درعًا واقيًا، ما يضعنا في موقف صراع تتحكم فيه التوجيهات السلبية التي يحملها المرسل عن نفسه، والتي يراها بسوء نية غالبًا في الشخص المُستقبل، ما يخلق نزعات عدوانية تؤدي إلى الانفصال، وتغذّي العنف والإساءة المتعمّدة، وتفرز ما يسمى بالإدراك الاجتماعي السلبي، والذي من صوره انعدام الثقة في الآخر/ الغريب، الشك والتحيز.

ومن أجل تجاوز كل هذه المعضلات التواصلية، لا بد من الاهتمام بتطوير المهارات الحياتية، والتدرب على تقنيات تساعد على التواصل والاتصال الإيجابي مع الآخرين، وتحقق نوع من التوازن بين وجهات نظرنا ووجهات نظر الغير، ومن بين التمرينات الفعالة والبسيطة التي لا تحتاج سوى دقائق من الهدوء والتخيّل، تقنية مواقع الإدراك الثلاثة، أي أن ينظر الفرد منا إلى الموقف أو المشكلة عبر ثلاث زوايا مختلفة، يحصل من خلالها على قدر كاف من المعلومات توسع آفاق معرفته بمحيطه؛ فتساعده على تقييم أدق لسلوكه تجاه نفسه وتجاه الغير، بين وعيه والباطن، فالانتقال عبر هذه المواقع الإدراكية الثلاثة تؤثر على الحالة الذهنية، وتجعلها في وضعية اتحاد مع المواقف والآخر، عوضًا عن الانفصال ورؤية المشهد من الخارج، الذي يؤدي إلى الاتصال السلبي وسوء التفاعل مع التأثيرات الخارجية.

فلماذا لا نبدأ بأنفسنا ونَتخذ كرسيًّا في كل موقع من المواقع الثلاثة قبل أن نُكَوّن موقفًا أو حكمًا جزافيًّا إزاء تجربة أو خلاف معين؟

فكل ما يلزمنا عندما نواجه موقفًا أو حالة ما تتطلب حلًّا أن نتخيل أنفسنا نتنقل كل مرة بين هذه المواقع:

1- موقع الذات: وهو موقعك أنت، المكان الذي تعبر فيه عن رؤيتك الخاصة، عن أحاسيسك ومشاعرك الداخلية، لا تسمع ولا ترى سوى نفسك، وتصدر فيه أحكامًا توافق تصورك وحكمك الذاتي فقط.

2- موقع الآخر: أو وجهة نظر الشخص المقابل، الآخر الذي بينك وبينه سوء فهم أو خلاف، هنا تخيل الموقف بعيني جليسك كما لو كنت تنظر إلى نفسك وأنت تتحدث، سترى ما يراه، وتحس بما يحس، وستخلص إلى رؤية مغايرة، وستدرك كيف يرى الأمر من زاويته، والأسباب التي تصَرّف وفقها، مما يعطيك القدرة على الفهم والتقدير بشكل أفضل.

3- موقع المراقب: الحكيم الذي يتميز بنظرة متجردة وعقلانية، سترى الموقف من الخارج كأنك تنظر إلى نفسك والآخر من بعيد، غير مرتبط عاطفيًّا بأي طرف من الموقعين، تراهما وتسمعهما بوعي وحياد، تحكم على الحالة بالعقل فقط، حتى تصل إلى تصور وحلّ أقرب إلى الموضوعية.

فحينما أطل من نافذة الآخر سأرى نتائج وتفاصيل أخرى مغايرة لتلك التي يحملها موقع الذات، والتي ستتغير جذريًّا حينما أنفتح على موقع المراقب، أي إن برامجي العقلية تتغير بتغير المواقع التي أضع وعيي فيها، وإذا كان تصور الشخص يتغير من وقت لآخر بسبب عوامل داخلية وخارجية، فإن الإدراك بمثابة الجسر المؤدي إلى هذا التغيير، ومن هنا وجب الحذر من التقوقع في موقع الذات الذي لا ينتج سوى الأنانية، وأحادية الرؤية والتفكير.

مواقع الإدراك الثلاثة كاميرا ترصد الحدث نفسه لكن من زوايا مختلفة، حتى تتيح لنا القدرة على النجاح في التعامل والاتصال بالآخرين، حسم الصراع بين الذات والعاطفة، والأهم بلوغ موضوعية أكبر وتقييم أدق لسلوكنا تجاه مواقفنا، ذواتنا والآخرين، يكفي فقط أن نّتخذ لأنفسنا كرسيًّا في كل موقع من المواقع الثلاثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد