عندما تم إعلان اسم الأديب البيروياني ماريو يوسا متوّجًا بجائزة نوبل للآداب سنة 2010 عن مجمل جهوده الأدبية، ناهيك أنّه حصل على عدد هام من الجوائز الأدبية الكبرى على غرار جائزة ثربانتس للآداب في شتاء 1994، وكذلك جائزة أستورياس لأدب سنة 1986. وقد أصدر ماريو يوسا عددًا من المؤلفات الأدبية ترواحت بين قصص قصيرة وروايات منها دفاتر دون ريغو برتو، ورسائل إلى روائي شاب، ورواية الفردوس على الناصية الأخرى… إلخ، لكن أشهرها دون شكّ رواية حفلة التيس التي كانت سببا في شهرته كروائي إلى جانب عمله الرسمي صحافي في البيرو قبل أن يهاجر إلى إسبانيا. وقد ترجم الرواية إلى اللغة العربية المترجم الكبير صالح علماني.

في بداية مقالنا نشير إلى كون هذه القراءة لا تقتصر حصرًا في رواية حفلة التيس، بل هي مدخل لباقي روايات ماريو يوسا الذي وصفه عديد النقّاد بالعبقري. أما على مستوى أحداث الرواية فهي كالآتي: تقرّر امرأة عجوز تدعى أورانيا كابرال أن ترجع من الغربة إلى وطنها الأم في جمهورية الدومينيكان لتجد نفسها وجهًا لوجه مع نفس الأحداث التي عاشتها في مطلع ستينات القرن الماضي، عندما كان لمدينتها اسم آخر، ويحكمها ديكتاتور بقوّة الحديد والنار، فكانت رواية المقولة الفلسفية الحتمية: التاريخ يعيد نفسه في شكل مأساة او ملهاة. وفي هذه الرواية حضر التاريخ بقّي الماساة والملهاة.

أما في عتبة النص على نحو ما وصفه رولان بارط أي العنوان، فإنّ التيس المقصود هنا هو الديكتاتور الذي يحكم دون شفقة أو رحمة، ولا يعترف لا بحقوق إنسان ولا حتّى بالإنسانية أصلًا. لكنّ هذا الدكتاتور تخونه خصيتاه، فكان عاجزًا جنسيًا ولا يقدر على مواقعة النساء، فكانت صنعة سردية موغلة في العبقرية من ماريو يوسا حيث جمع بين قوّة السلطة والعجز في شخصية التيس – الدكتاتور. هذه المفارقة الطريفة من يوسا جعلت رواية حفلة التيس من أهمّ روايات أمريكا اللاتينية والأدب الإنساني عمومًا.

ولعلّ هذا ما دفع اللجنة السويدية المانحة لجائزة نوبل للآداب في تلاوة بيانها إلى القول بأنّ يوسا استطاع باقتدار أن يرسم هياكل السلطة، وصوره الراسخة للمقاومة والثورة وهزيمة الفرد. فهو في حفلة التيس يتوجّه بخطابه السردي إلى دولة لم تسلم هي الأخرى من ويلات الدكتاتورية، إنّها دولة الدومينيكان حيث حكمها الدكتاتور سييء الذكر تروخييو والذي يشكو بدوره صراعًا بين مسألتين جوهريتين مثّلتا قطب رحى القول في الرواية.

موضعان موغلان في البعد الأبيستيمولوجي ويقومان على الإثنينية الميتافيزيقية ونعني بهما الروح والجسد، لهذا يعيش هذا الذكتاتور صراعًا فلسفيًا ومجتمعيًا وسيكولوجيًا بين إحساسه بألوهيته وشعوره ببشريته. فهو يحضر مرّة فوق أيّ قانون : من قانون المكان إلى قانون الزمان حيث يحرك الوزراء والجنود والشعب وفقًا لهواه. ولعلّ يوسا يطنب في السخرية من هذا التيس الذي خانته خصيتاه فيقول عنه: إنّه يأخذ القرارات من خلف نظارته السوداء الداكنة، بل ولمدة ثلاثين سنة وهي الأحداث التي تدور فيها الرواية من 1930 إلى 1960. سنوات زرع فيها الخوف والجوع الرعب والحذر.

لكن أمرًا ما ينغّص عليه حياته ألا وهو  المرض الذي يذكره بكونه بشرًا لا إلهًا، وأيّ مرض؟ فقد اختار له يوسا العجز الجنسي، وهنا تحضر عبقرية الكاتب في هذا النزياح المنمّ عن صنعة فنية حيث جمع الجرح والسكين في جسد واحد على نحو ما وصفتح الناقدة بنت البحار.

في الختام، لقد كان ماريو يوسا مناصرًا قويًا للقضية الفلسطينية فقد زار الأراضي المحتلة أكثر من مرّة وسعى من خلال كتاباته إلى فضح ممارسات جنود الاحتلال الدموية. وهذا ليس غريبًا على من قرأ كتابات يوسا فهو الثائر الذي يريد محاربة الظلم في جلّ أعماله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد