عندما سألتْ صحفية كولومبية الكاتب الكبير «غابريل غارسيا ماركيز» عن أجمل عمل قرأه، أجاب في هدوء: أجمل عمل قرأته هو قصّة قصيرة متكونة من ست كلمات: «عندما استيقظت وجدت الديناصور ما زال هنا». وكان «ماركيز» يقصد حينها قصّة الديناصور للكاتب الغواتيمالي «أوغستو مونتيروسو»، وفي هذا المقال، نسلّط الضوء على كتابات واحد من أهمّ أدباء أمريكا اللاتينية، «مونتيروسو» ليس كاتبًا عاديًّا بتعبير «ماركيز».

إنّ الباحث في النتاجات الأدبية لـ«مونتيروسو» يلحظ في البداية حضور مفهوم الخديعة السردية في أعماله، وخاصة القصّة القصيرة جدًّا؛ فمن المتعارف عليه كون المادّة السردية بجميع أنواعها تعتبر الجنس الأدبي مؤسسة ثابتة بقوانينها وملامحها، وكذلك مكوناتها النظرية والتطبيقية، إلى أن يصبح الجنس الأدبي محكًّا معياريًّا في ترقية النصوص، والخطابات، والأشكال الأدبية المختلفة.

وفي هذا الإطار تحضر جمالية الخديعة في أعمال «مونتيروسو»، ضمن لعبة أنثروبولوجية قائمة على استدراج القارئ دون مقدّمات؛ ففي قصّة الديناصور وقع إقحام القارئ في الجسد السردي لهذه القصّة، دون عتبات تذكر يتخطّاها القارئ، فالكاتب يجيد التلاعب بمن حوله، ويتقن فنّ الخديعة داخل النص، كما يتقن حياكة ألفاظه، وانتقاءها من خلال الانسيابية الأسلوبية التي تتميز بها كتاباته؛ فالبناء الفنّي واللغوي والجمالي يعكس اقتدارًا، وشيئًا من العبقرية يتميّز بها «مونتيروسو»، فمن خلال طبيعة أبطاله الذين يخلقهم داخل الفضاء البنيوي لكتاباته، يعمد «مونتيروسو» إلى استعراض العناصر والتفاصيل، التي شكلت المشهد السياسي في أمريكا الجنوبية، ومنه نحو باقي أصقاع العالم، وخاصّة من خلال السنوات العشرين الأخيرة، وتتبلور فكرة الخديعة في كتاباته من خلال ثنائية الاستدراج، والوقوع في فخ القصّة المباشرة.

«مونتيروسو» صنع واقعًا تسوده البارانويا والفوضى والخديعة، واقع يليق بذلك المشهد العبثي، الذي يلبس فيه المسئولون والنخبة والإعلاميون والشخصيات العمة البارزة، أقنعة باسمة وضاحكة، لكنّها تختفي مع بروز رسائل «مونيروسو» الأدبية التي أسقطت هذه الأقنعة، فاعتماد الكاتب لفنّ الخديعة في كتاباته جعلت هؤلاء يواجهون ما يشبه الأزمة، في الكشف عن وجوههم الحقيقية، ناهيك عن إحراج الجهات الرسمية من مسئولين وحكومات، من خلال إبراز السقوط الأخلاقي لهم، ويظهر هذا خاصة في تأويل قصّة الديناصور حيث قال «ماركيز» في معرض حديثه عن هذه القصّة القصيرة جدًّا: إنّها لخّصت زيف هذا العالم.

ومن جهة أخرى يعتمد «مونتيروسو» فلسفة الخديعة داخل النص، ويجعلها قائمة على بنية تبدو في شكلها العام نمطية، لكنّه حين يفرد لها فصلًا مستقلًّا لكل شخصية على حدة، فإنّه يحمل بالضرورة طرفًا آخر من أطراف الحكاية المخادعة، ناهيك أنّها تبدو في شكلها عادية حيث تبدأ جلّ أقاصيصه بسؤال، ولطالما خلق هذا السؤال إجابات عديدة مفادها: ماذا لو أرسل الموت رسائل يخبر الذين سيقبض أرواحهم بمواعيد موتهم مثلًا؟ ثم يعيد حزمة ثانية من فصول تجيب على أسئلة شائكة: ماذا ستفعل الحكومة الديكتاتورية التي قضّت مضجع الشعوب في العالم الثالث؟ ماذا سيفعل الناس الناس؟…إلخ.

لكن في بعض كتابات «مونتيروسو» المخادعة، قد تبدو غير مقنعة للقارئ أحيانًا، فقد اختار الخديعة للتعبير، ومنها عبر حدود الزمان والمكان؛ ليرسل خطاباته إلى سكان عالم ما، خلقه هو؛ فالخديعة عند «مونيروسو» ليست جانبًا كتابيًّا فقط، بل هي فلسفة حياة بأكملها.

في الختام، يجمع بعض النقّاد كون أنّ «أوغستو منتيروسو» قد فتح الباب أمام السؤال التالي: هل يمكن اعتبار الكتابة فعلًا خارقًا للعادة؟ وكيف لا؟ وهو الذي أحدث زلزالًا على أرضية الأدب العالمي، وقد زعزع أركانه بقصّة تتكون من ست كلمات، لكنّها تحتاج لصفحات طوال من التأويل النقدي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد