الأرقام تمنحك الحقيقة، لكن تفسيرك لتلك الحقيقة وطريقة توظيفك لها؛ هما من يمنحان الآخرين لمحةً عن مستوى ذكائك وطبيعة أخلاقك.

أشعر بالدهشة والأسف لما قام به بعض الإخوة من العرب، حين أجروا مقارنة بين حجم الصفقات السعودية الأخيرة مع أمريكا وديون العالم العربي ومآزقه المالية، في نقد مناف للمنطق مما يعكس بغضًا غريبًا ومبطنًا للسعودية.

من عقدوا تلك المقارنة تعمدوا إغفال مقارنات أخرى كان يلزم أخلاقيًا أن تكون حاضرة لندفع الشك بنوايا مقارنتهم تلك، ليس بالضرورة أن تكون مقارنات عددية، ماذا عن مقارنات الأشخاص أو المواقف مثلًا، أو مقارنات دول ومواقف؟، يمكننا كذلك أن نجرب مقارنة مركبة، أشخاص أو مواقف أو دول عبر حقب زمنية مختلفة، هذا التوسع في المقارنات كان سيمنحهم إجابة عما أرادوا إثباته عبر تلك المقارنة، لكنهم تغافلوا عن أي حقيقة قد تفرض اتصالها بالحقيقة التي يزعمون أنهم يبحثون عنها، لذلك لم يقدم لهم العلم والأرقام إجابة تخدم مقصدهم، لأن المقصد شخصي لاعلاقة له بالأرقام.

لماذا تجاهلوا حجم العطاءات والمنح التي قدمتها السعودية لدول عربية عديدة على مر السنوات، لقد قدمت تلك المنح من منطلق مساندة الأخ والجار وإغاثة الملهوف ونجدة طالب العون، لماذا تعمدوا أن يتناسوا كثيرًا من التعبيرات الغاضبة «والهاشتاجات الملتهبة» من المجتمع السعودي معترضة على منحات الحكومة للخارج في ظل احتياج الداخل، رغم أنهم أثبتوا إلى عهد قريب جدًا بأنهم متابعين جيدين لكل ما يتبادله الشعب السعودي في الهاشتاجات من الأولويات أو التفاهات.

مشكلة العلم أنه لا يمنحك الإيمان، إنه فقط يختبر إيمانك!

لذلك، فالرياضيات – مثلًا- حين تخبرك أن الخطين المتوازيين لا يلتقيان، فهي لا تخبرك ما هما هذان الخطان المتوازيان، تترك ذلك لمبادئك وأخلاقك وطريقة تفكيرك، فتمنحك بذلك حرية التطبيق الفلسفي الذي يناسبك لفهم فكرة الخطين المتوازيين وتترك لفضولك البحث عن سبب عدم التقائهما.

هناك من سيضع فكرتين للخير، وهناك من سيضع فكرتين للشر، وهناك من سيضع فكرة للخير وأخرى للشر، هذا ما لم تتدخل مافيا العلم «الفيزياء» كعادتها ، لتقلب النظرية رأسًا على عقب وتكشف للعالم أن الخطين المتوازيين قد يلتقيان، ولن تنس حين تخبر العالم بذلك؛ أن تمد لسانها بوجهه على طريقة أينشتاين!

لذلك على الأغلب وقع أولئك الإخوة بمشكلة مع الأرقام، حين تعاملوا معها بمعزل عن المبادئ فكشفت عوار مبادئهم وسقم قياسهم.

الأرقام علم، والعلوم لا تجامل أحدًا، ولكنها لا تخدع أحدًا كذلك

العلم حقائق، لذلك لن يستطيع أحد أن يطوع العلم لتمرير الأكاذيب، سينتصر العلم ويهزم من يحاول تسفيهه أو تطويعه لغير رسالته، هكذا يسير الأمر وهكذا سيستمر بالمسير، لكن من يقرأ التاريخ؟!

العلم يضع نفسه في خدمة الإنسانية ورفعتها، وكل ما من شأنه أن يعزز في الإنسان -مكتشف العلوم- القيم الإنسانية العليا، وعلى رأسها العدالة والإنصاف.

ومن العدالة والإنصاف أن تستخدم العلم للبحث عن الحق وليس لصناعة الباطل.

العلم سلاح أصحاب البصائر النيّرة والضمائر الحية التي تهدف إلى خدمة البشرية، لذلك يخدمهم العلم بقدر نقاء ضمائرهم ورغبتهم الشديدة في تقديم النفع فيكون شاهدًا لهم لا عليهم، ويجيء مؤكدًا لفرضياتهم، لأنهم طلبوه بإخلاص، ومنحوه أيضًا بإخلاص، ولأن العلم نور، ولأن الله هو النور كان طبيعيًا جدًا ألّا يكون جزاء الإخلاص إلا الإخلاص، ولذلك أيضًا أكثر من يخشى الله من عباده؛ العلماء.

بعكس من يحاول تطويع العلم ومنطق الأرقام لتكريس الفرقة وشق صف الإخوة ونشر البغضاء بقلوبهم، لبث السموم ونشر سحابة من العدائية ومزيد من التنافر، لن يحقق العلم أمنيته، وعليه أن يوفر جهوده، فالأرقام لا تجامل أحدًا، شهادتها ثابتة وهي ليست مسؤولة مطلقًا عن الزاوية التي قد تقرر بها القلوب تطويعها، الأرقام روح المنطق ولغة العقول، لا تعرف سواهما ولا تخاطب سواهما ولا تحترم غيرهما، فإن لم تحترم ذلك الأمر فيها؛ لن تحترمك، فمن وجهة نظر الأرقام؛ ستكتشف أن كل الحقائق المنطقية بسيطة بساطة الأرقام ذاتها.

وكما هو معلوم لا يحب العلم الإسهاب، وتميل الأرقام للاختصار، لذا ببساطة الأرقام سيكون الختام؛ لقد تم العبث بالدين والأخلاق بما يكفي، فهلّا تركنا العلم يؤدي رسالته بمعزل عن السياسة وتعقيداتها والقلوب السقيمة وحساباتها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد