عرفت سلطنة عمان بقرارتها التاريخية المختلفة عن باقي الدول العربية، ومن ضمن هذه القرارات التي تميز سياسة السلطنة عن باقي النظم العربية المختلفة:

1- حين قطعت الدول العربية علاقتها بمصر عام 1978م – بعد إتفاقية كامب ديفيد، ونقل مقر الجامعة العربية من مصر إلى تونس، رفضت السلطنة قطع العلاقات مع مصر، وأصرت على الحياد بين النظام المصري، والأنظمة العربية المقاطعة.

2- بعد انقسام الأنظمة العربية، واختلاف مواقفها من الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، رفضت عمان الانضمام لأي طرف من أطراف النزاع، وقررت الحياد بينهم، وعدم اتخاذ أي موقف من أي طرف أو دعم أي موقف مؤيد أو معارض.

3- حين قطعت بعض دول مجلس التعاون الخليجي مثل السعودية، والإمارات، والبحرين علاقاتها بقطر، وسحب السفراء عام 2014، ثم إعلان المقاطعة، وفرض الحصار عليها عام 2017، رفضت عمان المقاطعة، وأصرت على الحياد.

4- بعد إعلان المملكة العربية السعودية حربها على الحوثيين في اليمن ظلوا على حيادهم التاريخي، ولم يقفوا مع أي طرف، وعدم الخوض في الصراعات الطائفية المزعومة بين السنة بقيادة السعودية، والشيعة بقيادة إيران أو حلفائهما.

كل هذه المواقف تدفعك للعجب والتساؤل، لما ينتهج العمانيون هذه السياسة، ولأي فكر سياسي يتبعون، يجعلهم دائمًا يختارون موقف الحياد، وعدم الوقوف في صف أي طرف من الأطراف، وموقفهم الدائم هو اللا موقف؟!

السياسة دائمًا تفرض عليك اتخاذ موقف ما من البلدان المتصارعة، ولا تترك لك كل هذه السعة لتختار الحياد بشكل دوري بل، وتعرف به بين الدول، فيكون سمتًا لنظام سياسي أو دولة، فإذا أردت أن تتفهم، فانظر إلى عمان تاريخيًّا.

عمان تاريخيًّا

بدأ ظهور الإباضيين الحاليين في عصر الدولة الأموية، كانوا يسكنون العراق حالهم كحال عموم المسلمين، عاصروا الفتن بين الصحابة والتابعين بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، والنزاع بين علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان على قيام الخلافة الرابعة.

توالت الخلافات في هذه الحقبة التاريخية، وتوالت الفتن ثم نشبت الحرب الأهلية التي ترتب عليها اعتزال الحسن بن علي للسياسة، وتنازله عن الحكم حقنًا لدماء المسلمين ثم تطور الصراع إلى أن وصل حد الاقتتال، واستشهاد الحسين بن علي، وتوارث الحكم بين بني أمية.

لم تتوقف الفتن في تاريخ عصر صدر الإسلام، ولم يلتقط المسلمون أنفاسهم من الفتنة السياسية الواقعة بين كبار الصحابة، كعلي ومعاوية، وعقبها اغتيال سيد الشهداء الحسين بن علي حتى انتقلنا إلى فتنة فقهية حول خلق القرآن في العصر العباسي عقب انتهاء حقبة بني أمية.

كل هذه الفتن عند اندلاعها كانت تؤدي إلى انقسام صفوف جماعة المسلمين، فكل فصيل منهم يتبع أحد طرفي النزاع، وسقط في هذه الفتن عدد من كبار الصحابة مثل عمرو بن العاص في فتنة التحكيم حول اختيار خليفة، وأحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن إلا أن ظهر ابن إباض.

مؤسس المذهب الإباضي

كان عبد الله بن إباض التميمي من التابعين الذين رووا الحديث عن السيدة عائشة، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فأسس بن إباض هذا التيار المحايد الذي يصنفه أتباعه، كمذهب فقهي يدعى المذهب الإباضي، عرف ابن إباض برفضه الخوض في الفتن أو تصنيف الخائضين فيها.

تحجج ابن إباض في موقفه من هذه الفتن والصراعات بحديث النبي حين سئل عن زمن الفتن فقال: تأخذوا بما تعرفون وتدعوا ما تنكرون، إلى حد أن سمى الناس الطائفة الإباضية بأهل الاستقامة حيث أنهم لا يميلون لأي جهة، وينتهجون الحياد، ويجيدون اعتزال الفتن والصراعات.

لم يعجب الحياد تلك الأنظمة الاستبدادية على مدار التاريخ، فهم يسلكون مسلك الحمقى في كل عصر –إن لم تكن معي فأنت ضدي– سارع رجال الدين الموالون لهذه الدكتاتوريات بتصنيفهم بالخوارج عقوبة لحيادهم، كما يفعلون مع كل من خرج على أحكامهم، وعارض سياساتهم.

نشأة السلطنة

لم تكتف تلك الدكتاتوريات بتصنيفهم بالخوارج، بل طردوهم لأبعد المناطق عنهم في ذاك الوقت، ومن هنا كانت عمان هي المنفى، والإباضية هي المسمى نسبة لشيخهم عبد الله بن إباض التميمي، حين وصولهم إلى المنفى لم يكن به مسلمون غيرهم، فاختاروا منهم إمامًا لهم.

ظن بعض الناس أن الإباضيين ينتمون إلى المذهب الشيعي، لأنهم يعملون بالإمامة، لكنهم لا ينتمون إلى المذهب الشيعي إذ أن إمامهم كان قد تلقى علمه عن عبد الله بن عباس، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما، والمعلوم أن السيدة عائشة، وابن عباس لم يبايعوا عليًّا.

ظل الإباضيون على النهج الحيادي في كل الصراعات التي نشبت من قريب أو بعيد، ولم يخوضوا أي حروب عدوانية على مدار تاريخهم، ساعدهم موقعهم الجغرافي في أعمال التجارة، وقد ساهموا في نشر الإسلام في المناطق التي سافروا إليها في القارتين الآسيوية والإفريقية.

توارث الإباضيون الإمامة فيما بينهم دون تنازع أو اقتتال إلى أن وصلت إلى إمامهم الحالي السلطان قابوس بن سعيد، وظلت سياستهم على «الاستقامة والحياد» وعدم الانحياز لأي طرف من أطراف الخصومة والعداء أي أن مواقفهم بنيت على أساس ديني عقدي لا سياسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دين, سياسة, عمان

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

سجناء الفكر
شارك 23
منذ سنة واحدة
سياسة