مقدمة

شهدت القرون الثلاثة الأخيرة ظهور الكثير من الحركات النهضوية الإصلاحية والتغييرية التي أحدثت فارقًا ضخمًا، ونقلة حقيقية في عالم الأفكار.

كما ظهرت العديد من الكتابات التي بدت مؤشرًا إيجابيًا على التطور الذي شهده عالم الأفكار في المشروع النهضوي.

ولا يزال هناك الكثير ليبذل على الصعيد الفكري لتحويل هذه الأفكار والعلوم إلى أدوات للاستخدام، إذ إن كل شيء داخل منظومة الأفكار ينعكس تلقائيًا على القرار، ونرى أثره في الوضع الخارجي.

والأمة الإسلامية اليوم تواجه تحديات كبرى على جميع المستويات، لا يمكن الوقوف عليها بالعمل الفردي، بل بالجهود الجماعية الجبارة، وللنهوض من الركود والإقلاع وفك القيود التي كبلت العقول عن الأفكار الإبداعية وعن التحرر المعرفي الفكري الهادف.

فالأمة اليوم في حاجة الى مراجعات كبرى لإعادة النظر في مجمل الأرضية الفكرية التي تقف عليها. ولذلك فالحديث عن مشروع نهضوي فكري ضرورة باتت ملحة لاستنفار الهمم وتحرير العقول من التبعية والآبائية. [1]

1- المشروع

أساس كلمة مشروع في المصطلح الفلسفي اقتصادي قانوني، وقد استعمله الوجدانيون* الدلالة على كل ما ينزع به الفرد إلى تغيير نفسه أو تغيير ما يحيط به في اتجاه معين، فالإنسان عندهم كله مشروع في طريق التكوين.

ومن الدلالات اللغوية لكلمة مشروع :

أ‌. تشريع جديد / أمر سوغه الشرع.

ب‌. عملية الشروع في عمل شيء / أو التمهيد له.

ت‌. الإظهار والإعلاء /تهيئ أمر لدراسته وتقريره.

ث‌. الارتباط بالزمن المستقبلي ينطلق من الحاضر

هذه الدلالات ما عدا الدلالة الأولى، تعطي مفهومها لـمشروع على أنه: شروع في عمل جديد، يمثل مشروعا، يسوغه الشرع، رغبة في إعلانه وإظهاره من خلال تهيئته في الحاضر من أجل المستقبل.[2]

وبذلك تكون كلمة مشروع واضحة، إذ يمكننا التعامل مع الأفكار النهضوية على أنها مشروع.

2- النهضة

ترجمت من اللغة اللاتينية والأمريكية ومعناها: الميلاد الجديد وبذلك فهي تسير إلى البدايات للمجتمع لا النهايات. وذلك ما أكده محمد ظريف في كتابه تاريخ الفكر السياسي. وعلى العموم فإن تعبير النهضة صار مصطلحًا دالًا على تلك المرحلة الثقافية المشرقة  من الحضارة العربية والتي تزعمها رواد من المشرق، خاصة من مصر وسوريا وتميزت بخصوبة الإنتاج الفكري والأدبي.[3]

فهي حركة فكرية عامة، حية منتشرة، تتقدم باستمرار في فضاء القرن وتطرح الجديد دون قطيعة مع الماضي، وتشمل مجالات العلم والدين والسياسة والاقتصاد والاجتماع وما على ذلك.

فهذه الحياة الجديدة وهذا التصور الجديد لإمكانية الفعل التاريخي ولإمكانية النظر في الكون بمنظار جديد، فهي الأساس لما يسمى بعصر النهضة، وهي في الوقت نفسه ليست حركة في أرض منسابة سهلة.

ورواد النهضة هم المجددون، هم قادة يتقدمون عصورهم، ويكونون عرضة لاضطهاد معاصري لهم لا يفهمون آراءهم، والتنكيل بهم ومقاومة اجتهاداتهم، ويبقى ذلك جزء من ذرية مجتمع أراد الحراك.

ويعرفها الدكتور جاسم سلطان في فيديوهات إضاءة نهضوية أنها أفكار حية تتنزل على بيئة ركود تفعلها وتدخلها في دورة حضارية جديدة.[4]

مشروع النهضة: هو مشروع ثقافي يسعى لتمليك الانسان قدرا من المعرفة يجعله قادرا على اتخاذ القرارات بطريقة حكيمة.

فهو يعالج قضايا الفكر الرئيسية التي تثيرها التحولات الكبيرة الجارية وذلك بغرض خلق مرجعية ذات وزن في الأمة، ويعالج أيضا تنظيم الخارطة المعرفية عند المهتمين بمصير الأمة ومآلها وبغرض تنظيم قراءة الواقع واتخاد قرارات بشأنه.

إذ ايجاد المرجعية الفكرية للأمة وحده لا يكفي، بل لابد أن يلازمه تنظيم الخارطة العقلية للمتلقين لمشروع النهضة حتى يحسنوا العمل فالحكم على الشيء فرع من تصوره.

تلك الخارطة التي يستطيع الإنسان من خلالها أن يفهم ويدرك ويفسر الأشياء أي أنها الفكرة التي كونها الفرد عن موضوع معين وما يترتب عن ذلك من أفعال. وهذا وفق ما يقول الدكتور جاسم سلطان: كل شيء داخل منظومة الأفكار سينعكس تلقائيا على قراراتك على الوضع الخارجي.

3- بواعث النهضة

إن بواعث النهضة الإسلامية هي تلك المحركات التي أطلقت فكرة النهضة في المجتمعات، وهي الأرضية المشتركة بين جميع العاملين في الساحة الإسلامية.

الباعث الأول: نموذج الإسلام

يوضح هذا النموذج مبدأ شمولية الإسلام، وعلى الرغم من أن كثيرًا من المسلمين لا يدركون بصورة واضحة معنى واضحًا لشمولية الإسلام، إلا أنه يندر أن يوجد مسلم لا يقول بأن الإسلام يحتوي على كل شيء فالله تبارك وتعالى يقول: ما فرطنا في الكتاب من شيء، ويقول: ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ففي الوعي العام للمسلمين يحتوي الكتاب والسنة – المرجعية الإسلامية الأولى – على منظومة مهيمنة على الحياة، وإن لم تتضح معالم هذه المنظومة لدى العامة.

ولتنظيم الخارطة المعرفية لدى العاملين في مشروع النهضة فإن رؤية الصورة الكلية للإسلام وبيان مفهوم شموليته ضرورية وواجبة.

ففي الإسلام – وحده – يملك الإنسان أن يعيش لدنياه وهو يعيش لآخرته، وأن يعمل لله وهو يعمل لمعاشه، وأن يحقق كماله الإنساني الذي يطلبه الدين في مزاولة نشاطه اليومي في خلافة الأرض، وفي تدبير أمر الرزق، ولا يتطلب منه هذا إلا أمرًا واحدًا: أن يخلص العبودية لله في الشعائر التعبدية وفي الحركة العملية على السواء. أن يتجه إلى تلك الجهة الواحدة بكل حركة وكل خالجة، وكل عمل وكل نية … مع التأكد من أنه لا يتجاوز دائرة الحلال الواسعة، التي تشمل كل طيبات الحياة … فالله خلق الإنسان بكل طاقاته لتنشط كلها، وتعمل كلها، وتؤدي دورها .. ومن خلال عمل هذه الطاقات مجتمعة، يحقق الإنسان غاية وجوده، في راحة ويسر، وفي طمأنينة وسلام، وفي حرية كاملة منشؤها العبودية لله وحده.

وبهذه الخاصية صلح الإسلام أن يكون  منهج حياة شاملًا متكاملًا. منهجًا يشمل الاعتقاد في الضمير، والتنظيم في الحياة – لا بدون تعارض بينهما – بل في ترابط.[5]

وتداخل يعز فصله، لأنه حزمة واحدة في طبيعة هذا الدين، وللأن فصله هو تمزيق وإفساد لهذا الدين.

الباعث الثاني: التحديات الكبرى

إن كل تحدي يواجه الإنسان لابد وأن يتصدى له باستجابات يرى من خلالها دفع هذا التحد عنه وهذا قانون بشري، عندما يحيق بالمجتمع ضرر أو تهديد مصالحه، يقول توينبي:[6] يواجه الإنسان في طريقه لبناء الحضارات مجموعة من التحديات، مواقف وظروف ومشكلات صعبة.

يتعامل معها إما باستجابات ناجحة تؤدي إلى التغلب عليها والوصول إلى تحقيق النهضة المنشودة، وصولًا للحضارة، أو إلى استجابات فاشلة لا تؤدي إلى تحقيق النهضة والحضارة.

ويقسم توينبي هذه التحديات إلى قسمين:

تحديات طبيعية: مثل المناخ والجغرافيا وغيرها.

تحديات بشرية: مثل عدد السكان وثقافة المجتمعات وطبيعتها.

والتحديات الطبيعية قد تكون أرضًا صعبة، وزلازل وبراكين وفيضانات، وما شابه ذلك. فالأرض الصعبة تكون دافعًا لأن يطور الإنسان قدراته، وأن يشق الطرق والقنوات، ويبتكر وسائل المواصلات.

وكذلك الأرض البكر الجديدة تدعو الإنسان إلى تطوير قدراته لاستغلالها، وهناك دوافع النكبات، كأن تحدث مآس كبيرة في المجتمع، سواء كانت هذه النكبات بيئية أو من صنع الإنسان، ففي الحالتين يواجه مجتمع ما تحديات كبيرة جدًا، ولابد أن يطور قدراته للتغلب عليها.

وهذه التحديات تواجه الأمم جميعا بلا استثناء. والفارق الوحيد هو في الاستجابات التي تختلف من أمة لأخرى. وهذه الاستجابات هي التي تحدد شكل ونوع النتائج المستقبلية.

يقول الدكتور كاريل : الأهداف التي تعمل على إثارة الحافز فينا تقوم بتقديم أجمل الهدايا لنا على شكل إنجازات.

إن التحديات التي تعترض الأمة الإسلامية ليست فوق طاقتها، والتجربة النبوية خير شاهد، وفي تجارب الأمم السابقة خير مثال.

4- مراحل تطور مشروع النهضة عند الدكتور جاسم سلطان

بدأ مشروع في مطلع الثمانينات 1984 بسؤال عن سبب تخلفنا وتقدم الأمم الأخرى، فكان المسح الشامل لتجارب الأمم الناهضة وتجول في رياض العلوم الإنسانية لاستلهام أهم الأدوات المعرفية التي يجب أن يتسلح بها قادة النهضة.[9]

في عام 2004 تم إخراج جزء من المادة المعرفية على دائرة الجماهير، من أجل اختبار الافكار والتأكد من حاجة الناس إليها، فكانت الإصدارات التأسيسية الأربعة الأولى، وكانت مذهلة إذ نفدت ثلاث طبعات في فترة وجيزة عكف الدكتور على دراسة مشروع النهضة قرابة عشرين عاما. ثم أطلق مشروع إعداد القادة الذي يهتم بإعادة ترتيب العقل كي يفهم الواقع ويحسن اتخاذ القرارات، لأنه يؤمن أنما التغيير يبدأ من الإنسان لقول الحق سبحانهفي سورة الرعد الآية 11: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.

أسس بذلك لمشروع فكري يعمل على معالجة عالم الأفكار من خلال بناء القادة الذين يحتاجون إلى أدوات للعلم والمعرفة، وفهم الواقع.

يهدف بذلك إلى الارتقاء بعقول الشباب والصعود باهتماماتهم عن طريق خلق بيئة معرفية تساهم في خلق حداثة داخلية، وإحداث تحولات في الخطاب الفكري المعاصر، ورفع المنسوب الثقافي لدى الشباب المسلم حتى يتمكن من التواصل مع العصر.

كما يهدف لإنشاء إنسان مختلف، إنسان قائد، صانع للحضارة محدث للتغيير فالنهضة مركزها الإنسان تعمل على إطلاق مسكناته – إعداد قادة النهضة – حتى يتمكن من صناعة واقع أفضل.

سلاحي في ذلك توفير المادة المعرفية مبسطة في مختلف العلوم، ولكل المجتمع العربي وللقارئين باللغة العربية، وإصدار مجموعة من كتب تحمل في ثناياها فكرًا هادفًا وإحداث دورات مفعمة بالطاقة ورافعة للهمم.

واستعمال مستحدثات التكنولوجية العصرية كأسلوب في الخطاب والتأثير، ومحاولا بذلك أن يصل فكره وصوته كل بيت، وأن يطرق كل قلب مفعم بالإيمان حامل له، ليستنهض عقولًا أصابها الكسل والصدأ لتفعل لا لتنتظر أن يفعل بها.

كلمة أخيرة

النهضة أفكار حية دعا اليها المصلحون السابقون ولازالت الدعوة إليها مستمرة، شئنا ام ابينا بوعي أم بدون وعي … أصبح للمصطلح صدىً يتردد في آذان ووقر في القلوب.

فالنهضة ليست كلامًا يتناقل بين الأفواه، ولا خطوطًا على الأوراق، بل هي تراكم أفعال يشهد بها التاريخ. إنها دافع داخلي يحدد حياة العقل والحواس والمعرفة والفن، هي بصمة يضعها كل من سلك طريق الإيمان علمًا وعملًا ودعوة.

فالنهضة كما سبق الحديث هي حركة فكرية عامة، حية منتشرة، تتقدم باستمرار في فضاء القرن وتطرح الجديد دون قطيعة مع الماضي، وتشمل مجالات العلم والدين والسياسة والاقتصاد والاجتماع وما إلى ذلك.


1: مشروع النهضة بين الإسلام والعلمانية دراسة في فكر محمد عمارة ومحمد عابد الجابري بقلم د: محمد علي أبو هندي.

2: الوجودية: تيار فلسفي يميل إلى الحرية التامة في التفكير بدون قيود ويؤكد على تفرد الإنسان.

3: مشروع النهضة بين الإسلام والعلمانية دراسة في فكر محمد عمارة ومحمد عابد الجابري بقلم د: محمد علي أبو هندي.

4: د. مخلص السبتي (الصحوة الاسلامية ص33).

5: من مقالات الدكتور جاسم سلطان: نظم عقلك.

6: خصائص التصور الإسلامي لسيد قطب.

7: أرنولد جوزف توينبي ولد في 14 أبريل (نيسان) 1889 في لندن، وتوفي في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1975. أهم أعماله دراسة للتاريخ، وهو من أشهر المؤرخين في القرن العشرين.

8:.م ألكسي كاريل (Alexis Carrel) كان طبيبًا جرّاحًا فرنسيا، ولد في 28 يونيو (حزيران) 1873، وتوفي في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 1944 في باريس، حصل على جائزة نوبل في الطب عام 1912، من مؤلفاته الإنسان ذلك المجهول.

9:كاتب القيادة في الأزمات لداني كوكس وجون هوفر.

10: موقع مشروع النهضة في الشبكة العنكبوتية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد