كان دور المستشرقين الأوائل مفصليًّا في التّاريخ المعاصر، إذ كانوا كطلائع الكشّافة الّتي رصدت وجمعت ودرست المعطيات الضّرورية الاجتماعية، الاقتصادية، الثّقافية والسّياسية للمجتمعات العربيّة والإسلاميّة المريضة المنهكة والمغيّبة حضاريًّا والمصنّفة متخلّفة عن حضارة غربيّة صاعدة ومهيمنة ذات نزعة توسّعية وشاهية مفتوحة باسم التّحديث والتنوير.

المستشرقون كانوا رأس حربة المستعمر الغربي المسيحي، وهم أشدّ فتكًا من كلّ ترسانته العسكرية فقد غابت أسلحته المباشرة ليبقى أثرهم المزمن كسمّ مدسوس يتمّ تطعيمه كلّما خبتت فاعليّته.

من هم المستشرقون؟

يعرّف الدكتور المؤرّخ ادوارد سعيد هذه الظّاهرة في كتابه الاستشراق، بأنّه مهمّة تستخدم للتّعبير عن دراسة مجتمعات وأدب الشّرق القريب والبعيد من وجهة نظر غربية ويضيف: إنّ الاهتمام الأوروبّي بالإسلام لم ينشأ من حبّ استطلاع، بل من الخوف من منافس للمسيحية يتميّز بوحدته وصلابته وبقوّته الجبّارة ثقافيًا وعسكريًا مؤكّدًا أنّ رواسب من القرون الوسطى لا تزال تمثّل مزيجًا من الخوف والعداء في الاهتمام العلمي وغير العلمي بالإسلام(1).

بدأت ظاهرة الاستشراق منذ القرن الثّالث عشر ميلادي حين دعا ألفونس ملك قشتالة وليون إلى البحث في علوم المسلمين وحضارتهم وتواصلت هذه الظّاهرة لتشهد طفرة مع بدايع القرن التاسع عشر تزامنًا مع التوسّع الاستعماري وتستمرّ إلى يومنا هذا في شكل مراكز دراسات ومجامع بحثيّة.

والملفت للانتباه أنّ الاستشراق شرقا تزامن مع الاستفراق غربًا ضمن حملات تبشيرية صريحة ومباشرة لمجتمعات جنوب غربي أفريقيا الّتي تبنّت الإسلام طوعًا وبسلاسة، إذ يذكر الدكتور المؤرّخ بلقاسم الحنّاشي في كتابه: (التواجد الحضاري جنوب غرب الصحراء القرن 19): امتزجت الثّقافات الأفريقية بالثّقافة العربية الإسلامية، وساعد التقبّل السّريع والتّسامح السلطوي واستيعابة اللّغة العربيّة على الامتزاج، ولم  يكن هناك ما يعيق نشاط وأسلوب حياة شريعة العلماء؛ فمُدّ جسر قويّ بين الثّقافة الأفريقية والثّقافة العربيّة الإسلامية، وكان الخطّ العربي الّذي كتب به القرآن شبه مقدّس في حدّ ذاته، وله مغزى ديني ورمزي عميق في الثقافة الأفريقية: استخدم في آن واحد للرّسم والتزيين والتعبير عن الأفكار. أمّا نسخ القرآن فعمل يتداخل مع المشاعر الرّوحية به يتقرّب إلى اللّه وينتظر رحمته(2).

وخلافًا لهذا التّمازج والتّواجد الحضاري الإسلامي الأفريقي، فإنّ التبشير أو التّمسيح المقترن بالاستعمار الأوروبّي قد اتّخذ مظهر التدخّل الفجّ المحدث لصدمة، ولم يحقّق النّتيجة المرجوّة منه بالعودة إلى الإمكانيّات الّتي سخّرت لإنجاحه.

ما الهدف من الحركة الاستشراقيّة؟

يبدو أنّ السّبب الحقيقي للحركة الاستشراقية ليس حبّ استطلاع أو معرفي، بل كان استهداف الإسلام حيثما وجد لضربه في محيطه كحركة استباقيّة ووقاية من خطر محتمل خامد ظرفيًا من الممكن أن يصحو وتتّقد جذوته، إذ يقول المؤرّخ برنارد لويس في كتابه: (الإسلام والغرب): درست النّصرانية في القرون الوسطى الإسلام لغايات مزدوجة: لحماية النّصارى من مداهمات المسلمين، وتحويل المسلمين إلى نصارى(3).

كانت مهمّة المستشرقين تتلخّص في نقل صورة مشوّهة منفّرة وصادمة عن الإسلام والمسلمين، ونحتها في ذهن الغربي المسيحي، وهي مازالت متشكّلة في الوعي الجمعي إلى اليوم، فالإسلام والمسلمون عند الإنسان الغربي المسيحي هو ما رسمه المستشرقون منذ عشرات السّنين: الإسلام دين الشّهوة والقتل والعنف والجبرية يسيء للمراة ويشجّع على الرقّ. وهو ما وجدوها مجسّدًا في (داعش) صنيعتهم ودليلهم على ما يدّعون.

فأغلب المستشرقين وعدد كبير نسبيّا منهم كانوا مبشّرين نصارى، كانت مهمّتهم الأساسيّة تشويه صورة الإسلام والتشكيك فيه.

ما هي منهجيّة المستشرقين؟

اشتغل أغلب المستشرقين بالنّص القرآني، وكان مركز اهتمامهم ومرمى سهامهم باعتبار مكانته ورمزيّته وقدسيّته في المخيال الجمعي، ومارسوا التحريف في ترجمته، إذ إنّ أوّل ترجمة للقرآن خلال القرون الوسطى: بيير، القرن الحادي عشر  الميلادي، شمل تسعة فصول إضافية مع ترجمات أخرى نشرت فيما بعد، روديل، وموير، افتقرت كلّها إلى الأمانة المطلوبة في الترجمة، وهي مازالت تعتمد وتروّج إلى يومنا هذا.

كان الاستنتاج المشترك لأغلب المستشرقين من بالمير (1800 – 1882) إلى فنسك (1822 – 1939) إلى بلاشير (1900 – 1970) أنّ القرآن كتاب بشري ألّفه محمّد اقتباسًا من الكتب اليهودية والنصرانية، ولترسيخ ذلك كان لا بدّ من القدح في شخصه من خلال التعرّض لحياته الشّخصية والعامّة، كان شهوانيًا مغرمًا بالنّساء مزواجًا.. مصابًا بمرض الصّرع والهلوسة والوهم والهستيريا، وما القرآن إلّا عمليّة نفسية تحويلية للبحث عن الجاه والسّلطة والشهرة، وهو لا يرتقي إلى درجة إبداع الشّعر الجاهلي.. لغته ركيكة مليئة بالتكرار المملّ، والتّناقضات، بل به بعض الأخطاء اللّغوية.

وقد حاولوا تمرير أراجيفهم وكذبهم المفضوح على أفضل خلق اللّه صلوات اللّه عليه وسلامه بالاستدلال بأحاديث ضعيفة وموضوعة، وحكايات تاريحيّة ملفّقة، وتناسوا عمدًا الأحاديث النّبوية الصّحيحة مشكّكين في من نقلها، وهم بذلك ينفون الوحي، يقطعون أيّ صلة له بالعقل ويشكّكون في مصداقيّة النّقل.

وقد أجابهم الفيلسوف كارليل بقوله:

لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متمدّن من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يدّعيه المدّعون من أن دينَ الإسلام كذبٌ، وأن محمّدًا خدّاعٌ مزوّرٌ، وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة، فإنّ الرسالة التي أدّاها ذلك الرّسول ما زالت السّراج المنير مدّة اثني عشر قرنًا (أكثر من أربعة عشر قرنًا الآن) لنحو مائتي مليون (بزيادة بليون نسمة الآن) من النّاس أمثالنا، خلقهم اللّه الّذي خلقنا، أفكان أحدكم يظنّ أنّ هذه الرّسالة الّتي عاش بها ومات عليها هذه الملايين فائتة الحصر والإحصاء أكذوبة وخدعة؟! أمّا أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرّأي أبدًا، ولو أنّ الكذب والغشّ يروّجان عند خلق اللّه هذا الرّواج، ويصادفان منهم هذا التصديق والقبول، فما النّاس إلاّ حمقى ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث وظلال، كان الأولى بها ألاّ تُخْلق، هل رأيتم قط معشر النّاس أنّ رجلًا يستطيع أن يوجد دينًا وينشره؟ عجب والله! إنّ الرّجل الكاذب لا يقدر أن يبنى بيتًا من الطوب. وعلى ذلك فلسنا نعدّ محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رجلًا كاذبًا متصنّعاً يتذرّع بالحيل والوسائل إلى بغيته أو يطمح إلى درجة مَلِك، أو غير ذلك من المحقرات والصّغائر، وما الرّسالة الّتي أدّاها إلاّ حقًّا صريحًا، وما كانت كلمته إلاّ صوتًا صادقًا صادرًا من العالم المجهول؛ كلاّ! ما محمّدٌ صلى اللّه عليه وسلّم بالكاذب ولا بالملفّق، وإنّما هو قطعة من الحياة قد تفطر عنها قلب الطّبيعة، فإذا هو شهاب قد أضاء العالم أجمع، ذلك أمر اللّه(4).

والملاحظ أنّ العديد من المستشرقين تبوّأوا مراكز علميّة متقدّمة، وكانوا قريبين من مراكز القرار، ولهم بصماتهم في المناهج التعليمية وفي إصدارات المراجع العلمية واللّغوية، وخصوصًا المعاجم، فالمستشرق الألماني فينسك كان عضوًا في مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة، كما زميله الفرنسي جون نيبرك، أمّا المستشرق الفرد جيوم، فكان عضوًا في المجمع العلمي العربي بدمشق.

روجيه هونكه: طائر يغرّد خارج السّرب

وسط هذه الهجمة الشّرسة والقصف العنيف المستمرّ للإسلام وأهله كانت هناك بعض الأصوات الاستثنائية المنصفة  كالمستشرقة الألمانية روجيه هونكه (1913 – 1999) الّتي قدّمت في كتابها: (شمس العرب تشرق على الغرب) أو (شمس اللّه تسطع على الغرب) صورة موضوعيّة منصفة للإسلام والمسلمين، وأبرزت فضل الحضارة العربية والإسلامية على العالم؛ إذ قالت: الإسلام أعظم ديانة على ظهر الأرض سماحة وإنصافا، نقولها بدون تحفظ، ودون أن نسمح للأحكام الظّالمة أن تلطّخه بالسّواد(5).

وقد انتقدت هونكه بشدّة التّجاهل الأوروبّي للعرب والمسلمين مشيرة إلى أنّ تصفّح كتب التّاريخ في ذلك الوقت كان يعطي انطباعًا بأنّه لا وجود لشيء اسمه العربي، أو الحضارة العربية، وهي الحضارة الّتي أثّرت بقوّة في مجرى الأحداث العالمية، ويدين لها الغرب كما تدين لها الإنسانيّة كافّة بالشّيء الكثير.

ولعلّ هذه المستشرقة الّتي تعرّضت للمحاصرة والتّغييب ولهجمات شرسة من مناوئيها كانت صحبة قلّة قليلة ممّن يسبحون عكس التيّار ويغرّدون خارج السّرب.

الورم الأمّ وتفريخاته

لم يكف هذه الأمّة جور وحيف هؤلاء المستشرقين، ومن كتب التّاريخ حيث همّشوا مساهمتها في الحضارة الإنسانية وتفضّلوا عليها بركن ضيّق لا يكاد يذكر أقرب غلى القتامة والسّواد حول مركزيّة غربيّة مشعّة مهيمنة ومتضخّمة ذات نظرة دونيّة للآخر المختلف والمتخلّف، ليبرز لهذا الورم الأمّ تفريخات انتشرت في كلّ الجسد المنهك.. منبتّون متبنّون لوظيفة الورم الأمّ، بل أشدّ فتكًا وخطورة.. إذ زيادة على تبنّي النّظرة المشوّهة المسيئة للإسلام، وترديد نفس ادّعاءات المستشرقين الباطلة، كالببّغاوات، أو مع بعض التنقيحات، فهم يتجاوزونها إلى حدّ اعتبار أنّ الدّين، وخصوصا الإسلام، يعيق التقدّم وسبب للتخلّف، مع أنّ سبب تخلّفنا الحقيقي هو تخلّينا عن الرّسالة الحقيقية لديننا الحنيف، وقد أحسن المفكّر الجزائري الرّاحل مالك بن نبي التّعبير حين قال: إنّ التخلّف الّذي يعاني منه المسلمين اليوم ليس سببه الإسلام، وإنّما عقوبة مستحقّة من الإسلام على المسلمين لتخلّيهم عنه، لا لتمسّكهم به كما يظنّ بعض الجاهلين(6).

وكأيّ تفريخات لورم أمّ، فهم يعبثون في المكان والشّكل، وفي الوظيفة والدّور، يهاجمون أيّة خليّة سليمة حتّى افتراضيًّا ويتسلّلون إلى نواتها لمحاولة تغيير برامجها الجينيّة، ينتشون للتشوّهات الخلقيّة،للعدميّة الوظيفيّة، ويتلذّذون بالوجع في ساديّة. تتعدّد صورهم وتتنوّع وسائلهم، لكنّ وظيفتهم وهدفهم واحد: معاول هدم للإتيان على جسم ترهّل يعتقدون أنّه في أشدّ فترات ضعفه، وأنّ الفرصة مواتية للإجهاز عليه.

والملاحظ أنّ مع دعوات الإلحاد المباشرة الّتي لم تلق رواجًا (باسم التّنوير والتّحديث وإحياءً لنظريات ميّتة كنظريات التطوّر الدّاروينية) برزت أصوات أخرى تدعو إلى إعادة قراءة النصّ الدّيني وهو أمر مطلوب، إحياءً للمنقول المكتوب منه وتنقيّة للموروث الشّفوي من شوائب متعدّدة، لكنّها كلمة حقّ يراد بها باطلًا؛ ففي ظلّ غياب الموضوعيّة العلميّة وحضور الذّاتية والانتقائية في التركيز على المسائل الخلافيّة واستحضار بعض الأمثلة والممارسات الّتي أخرجت من سياقها لاستصدار أحكام جاهزة وجائرة تفوح من خلال هذا التّعاطي روائح حقد دفين وتبرز نوايا الهدم والتّحطيم.

فما معنى أن تثار الآن وتناقش بعض ثوابت وأساسات البنيان كبعض الأحكام الّتي عليها إجماعًا؟ ألم يكن من الأجدر والأنفع البحث عن المزيد من التّبيان والشّرح لمقاصدها؟ وما الغاية من ضرب السنّة النّبوية بالتشكيك في الصّحاح إلى حدّ لعن البخاري، والقدح في أبي هريرة رضي الله عنه، وبقيّة الصّحابة رضي الله عنهم أجمعين؟

نعم السنّة النّبويّة ليست فقط في إعفاء اللّحية وارتداء القميص أو السّواك أو إسقاطات وسلوكيات فولكلورية، هي فكر ومنهج كوني وفلسفة حياة، وكذلك ضرورة حتميّة لفهم وإيضاح النصّ القرآني، فأيّ استكبار هذا! واستعلاء يجعلنا نستغني عمّن كان تفسيرًا واقعيًّا للقرآن! وتحقّيقًا لكلمات من كان قرآنا يمشي على قدمين؟ وكيف نستخفّ باجتهادات السّلف وإضافاتهم لصرح معرفي هو تراكمي بالضّرورة، هو قابل للنّقد البنّاء وينتظر إسهاماتنا؟

وبين هؤلاء وأولئك لابدّ من طريق للخلاص، قراءة مجدّدة للنصّ، تأخذ بعين الاعتبار معطى المكان والزّمان، وفي مزاوجة بين العقل والنّقل.. قراءتنا تنفيذًا لأمّ الأوامر الربّانية الّتي نزلت من فوق سبع سموات: اقرأ باسم ربّك الّذي خلق. وهو أمر عامّ مطالب به أيًّا كان.. فرض عين، وليس كفاية، أو هواية، أو ترفًا ورفاهية.

المصادر:-

1) الاستشراق: الدكتور إدوارد سعيد.

2) فكر التواجد الحضاري في جنوب غربي أفريقيا القرن 19: الدكتور بلقاسم الحنّاشي.

(3) الإسلام والغرب: برنارد لويس.

(4) البطولة وعبادة الأبطال: توماس كارليل. ترجمة محمّد السباعي.

(5) شمس العرب تسطع على الغرب: روجيه هونكيه.

 (6) إنتاج المستشرقين: مالك بن نبي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد