في الآونة الأخيرة، سادت حالة من الفوضى والعشوائية السياسية لم يكن يخيل لأحد في مصر أو العالم العربي أن نصل إليها، فإنه مهما كنا مختلفين أيدلوجيًا فإننا كعرب، سواء مسيحيين أو مسلمين أو يهود، يربطنا رباط واحد، وهو أهم رابط إنه، الاتحاد الذي يجمعنا على أرض واحدة ولغة مشتركة وثقافة متشابهة، وما يجمعنا كعرب بجميع مذاهبنا بالعالم الإسلامي لهو شيء أعمق مما يجمعنا كعرب منفردين، إنه العالم المتسع الكبير، بل إن ما يجمع العالم العربي والإسلامي بالعالم الغربي لهو الأشد إلحاحًا والأكثر أهمية، فالإنسانية هي جوهر الأشياء وهي معبر الطريق وكنهه وأساسه.

أما العالم الغربي الذي يبدو في ثوب أنيق، فربما أخذته العزة والجبروت الذي يصاب به بعض العباقرة والمتميزين من الناس، حين يعتقد أنه ملك الدنيا وما فيها وأنه صاحب الأمر والنهي، ولهذا فقد بدأ الغرب يظهر أنيابه ويرى أن العالم ليس كتلة واحدة، ولا داعي للوهم القائل باتحاد العالم من أجل الإنسانية، فتلك أسطورة سخيفة اخترعها الفقراء الأغبياء حتى ينهبوا أموال الرجل الأبيض المتمدن المتحضر، وهي حقوق وضعت حصرًا لراحته وخدمته، بل إن التكنولوجيا هو من صنعها ليسعد نفسه ويحقق الرفاهية التي يصبو إليها، أما العالم العربي فإنهم ليسوا أهلًا لذلك، فإنه بالإضافة لكونهم لا يشاركون العالم المتحضر في الموقع أو الديانة أو اللغة فهم أيضًا متخلفين مثل الخراف، فالعرب بصفة عامة لا يستحقون الحياة، فهم لا يخترعون ولا ينتجون، أما العالم الإسلامي، من دون العرب، فرغم إن بعضهم متميزون في التكنولوجيا والعلم لكنهم يدينون بالإسلام وتلك تعد القضية الكبرى، فيستحيل أن نسمح بالصعود الإسلامي فينتصر الإسلام على المسيحية، حقًا إنها الحرب الطائفية العنصرية في أبشع صورها.

كل هذا العداء الغربي الممنهج والواضح للعالم العربي والإسلامي يظهر واضحًا وضوح الشمس، ورغم كل ذلك لا نغفل المنصفين الكُثر من الكتاب والعلماء الغربيين الذين يرفضون السياسات اليمينية الإرهابية في بلادهم الغربية، ويدافعون بأعلى صوتهم عن الإسلام والمسلمين، ويدعون دومًا إلى وحدة العالم من أجل الخير والحق والإنسانية.

وعلى النقيض من الكتاب الغربيين الذين يدعون إلى التسامح ونبذ العنف، نجد الكتاب والنخب المصرية والعربية يدعون إلى العنف ومحاربة الإسلام، ولا أعرف ما هو التعريف الحقيقي للنخبة، وما هي السمات التي تؤهل أحد الأشخاص ليعتلي منصة من المنصات، أو يقوم بالإمساك بالميكروفون في أحد القنوات، أو يدير أحد الحوارات في الندوات العلمية والأدبية، ويظهر جليًا من خلال بعض الاستقصاء والتحري عن بعض المشاهير من النخب الثقافية إنهم تقلدوا تلك المكانة بإحدى ثلاث طرق:

1- وراثة أحد المناصب الإعلامية أو الصحفية عن الأسلاف السابقة من عمالقة الكتاب والفكر، مما أكسبهم شهرة كبيرة في هذا الوسط الإعلامي والصحفي.

2- النفاق والتسلق إلى الحكام والمسؤولين، من خلال استخدام بعض الشعارات والمصطلحات التي ترضي النظام السياسي.

3- المهارة المهنية والخطاب اللغوي الرصين والذكاء الاجتماعي، مع القدرة على اكتساب الجمهور من خلال تناول موضوعات تبتعد عن السياسة وتقترب من المتعة والتسلية.

وبناء على ما سبق، فإنه يظهر لنا جليًا أنه من الضروري لكي تعتلي أحد المنصات الإعلامية أو الصحفية ألا تكون مثاليًا، ويجب أن تبتعد عن السياسة إذا كنت مهنيًا وتكره الكذب، وأما إذا كنت شغوفًا بالحقل السياسي فإنه لا مفر من الكذب والنفاق والمجاملة بمناسبة وبدون مناسبة.

إن الإعلام المصري والعربي أصيب بعطب متأصل لن يداويه إلا البتر من الجذور الرئيسية حتى يتعافى، وليس أدل من ذلك إلا بعض النخب القديمة التي ورثت نفس الخطاب السياسي الذي يتم تداوله منذ الثورة العسكرية في يوليو عام 1952، على نفس النهج لما سمى بـ«الثورة المباركة» حينذاك.

تتحدث معظم النخب بنفس المنوال وعلى ذات الطريق، وكأننا لم نتقدم وكأن مصر كما هي لا تزال في حقبة الخمسينيات والستينيات مع الفارق الجوهري بين تلك الفترة الزمنية ومثقفيها النابغين والفترة الحالية بكتابها وإعلامييها الجهلاء الذين لا يمتلكون مهارة أو حتى لغة خطابية، إننا بنفس النمط والنظام القديم نمشي على ذاك الخط لا نحاول الانحراف عنه يمينًا أو يسارًا، وكلما حاول أحدهم أن يخرجنا من هذا المسار قمنا بصب اللعنات عليه كأنه ارتكب كبيرة من الكبائر، وقد اتضح لنا ذلك بجلاء في بعض الكتابات التي تسمي تركيا بالسلطنة العثمانية، وبعض الإعلاميين الذين يسمون الرئيس رجب أردوغان بالسلطان، وأحد البرامج الذي يسب تركيا وإيران جهارًا نهارًا وينعتهم بالبلدان المعادية التي تأوي الإرهابيين، وذلك دون أي اكتراث بالدبلوماسية والتوزانات السياسية في المنطقة.

وتظن بعض النخب الثقافية الجاهلة في بلادنا العربية إن كل المدافعين عن تركيا هم من يبررون أخطاء الدولة الملكية العثمانية، ويعتقد بعض الغوغائيين السياسيين أن من يدعون لوحدة العالم العربي والإسلامي إنما هو محارب للجمهورية ويدعو إلى دولة الخلافة العظمى، ورغم أن المسألة لا تحتاج إلى تبرير من قبل الحكماء القليلين جدًا في بلادنا العربية، إلا أننا يجب أن نجعل كل جملة مصحوبة بالتعليل والبرهان، مع وجوب إثبات كل كلمة وحرف بالوثائق والدليل المادي.

الكارثة أن فئة كبيرة من المصريين والعرب يخلطون بين تركيا والحكم العثماني وبين الساسة الأتراك والخديوي الشركسي الذي كان يحكم العبيد في مصر والسودان وتلك طامة كبرى لو تعلمون، لأن الملكية العثمانية بكل مساوئها وأخطائها كانت في نهاية الأمر دولة قوية، لم تبع الأراضي للمحتل الأجنبي، الدولة العثمانية غير العربية كانت دولة ذات اقتصاد قوي عتيد يمثل شوكة في حلق الغرب.

لقد تم تصوير العثمانيين في كثير من الأعمال الفنية المصرية والعربية بصفة المحتلين الأجانب الذين يظلمون ويتكبرون على خلق الله، رغم أنه لو كانت تلك حقيقة لما دخل كثير من المصريين والعرب القوات المسلحة وتقلدوا المناصب العالية ليصبحوا وزراءً وأمراء، وحصل الكثير منهم على لقب البكوية والبشوية، وأقرب مثال لذلك – المناضل سعد زغلول – الذي كان رجلًا من عامة الشعب، من فلاحي مركز زفتى بمحافظة الغربية التي تعد أحد أهم مناطق الريف المصري. بل والأغرب أن البعض يرى تركيا التي هي امتداد الدولة العثمانية هي دولة يعيش فيها أكبر فئة من العلمانيين المنحرفين، وأن العلماني في نظرهم ليس مسلمًا ولا مسيحيًّا ولا حتى يهوديًّا، وهذا بالطبع يعد هراءً لأن العلمانية ليست مذهبًا دينيًا بل فكرًا اقتصاديًّا سياسيًّآ اجتماعيًّا بالأساس، وليس له علاقة بنوع الديانة، ولم تختلط العلمانية بالديانة بالشكل الذي يثار حولها إلا في بلادنا العربية على يد بعض كتابنا السفهاء، الذين أسسوا للعلمانية الفاشية (العلمانية العسكرية المتطرفة)، بل إن العثمانيين قاموا بتأسيس أعظم دولة إسلامية احتوت جميع الثقافات والديانات، فقد تقلد اليهود والمسيحيون أعلى المناصب في العصر العثماني، ورغم هذا يكره كثير من المسيحيين العرب تركيا.

لا ندعي زورًا وبهتانًا أن الدولة العثمانية ملائكية تتسم بالمثالية، ولا ندعو إلى عودة الدولة الملكية، ولم يقل أحد من المدافعين عن البلاد الإسلامية مثل تركيا أو ماليزيا وباكستان بأنهم يريدون عودة الحكم العثماني للبلاد لأن هذا محال، أو تكوين دولة على منهاج الخلافة الراشدة لأن ذلك لا يعقل في ظل هذا العالم المتوحش والساسة المستبدين، بل إن المقصود من كل هذا هو الدعوة لاتحاد العالم العربي والإسلامي ضد الاحتلال الغربي الغاشم والانتهازية الأمريكية التي تحاول التغول على مواردنا الطبيعية والاقتصادية، فالاتحاد قوة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد