إن الله خلق الخلق وأخلفهم أرض الدنيا، وجعل منهم خلقًا كتب عليهم الشقاء، فما خلقوا إلا ليصبروا، وجعل منهم خلقًا كتب عليهم السعادة، فما خلقوا إلا ليرفلوا فيها، وجعل خلقًا كتب عليهم التقلب بين السعادة والشقاء. إنهم جميعًا لم يسلموا من وطأة الألم والمعاناة باختلاف درجاتها. فهم بين قائم فيها لا تنفك عنه، وبين من تعتريه كل حين، وبين من يتقلب حاله بينها وبين نقيضها. وكما يشتركون جميعًا في المعاناة والألم الذي هو من أصول تركيب الحياة على الأرض ويختلفون في درجته، فإنهم يشتركون جميعًا في السعي للتخلص من معاناتهم، ولكنهم يختلفون في درجة السعي.

إن الله جبل الجسد على التخلص من الألم بالسعي لأسباب زواله، ولكن النفس الإنسانية لشدة الألم واستمراره تتمسك بالألم فتحوله إلى معاناة، فالعقل قد يتمسك بالألم لاعتقاده بأنه شيء جيد، أو أنه لا يمكن الهروب منه، أو أنه أفضل من غيره، أو أن تحمل الألم له دلالة على قوة الإنسان وله ثواب يجزله الإله لمن يصبر. واتقانًا لهذا الشعور؛ فإن النفس تدخل في حالة من تقمص دور الضحية للألم والمعاناة فينظر إلى الألم على أنه يجب أن يكون هكذا، وعليه هو أيضًا أن يكون هكذا.

إننا ننقل المعاناة لغيرنا ونكتسبها منهم، حتى إننا نحافظ على علاقاتنا بدلاً من أن نوقف المعاناة المترتبة على تلك العلاقات المؤلمة. مراعاة الإنسان لمواقف اليأس والإحباط والحزن والألم والتمسك بتلك المشاعر كنوع من الوفاء الشعوري والمشاركة الوجدانية، حتى إن الانحراف عن النمط الشعوري في الموقف يشعرك بالغربة وبنوع من عدم الإحساس، كل ذلك يدفع الإنسان ليصبح طعامًا يقتات عليه الحزن والألم. إن الإنسان قد يتنازل ويفرط في سعادته وراحة باله واستقرار حياته من أجل علاقة مع شخص لأنه يحبه، ربما عاطفة الحب قد تساوي حياة إنسان.

إن أغلب البشر يفرون من وطأة المعاناة بغض الطرف عنها. يغلقون عليها في القلب بأقفال من المتعة؛ فيمارسون هواياتهم ومشاهدة التلفاز واللعب والسمر المضحك أو إدمان الكحوليات. إن استبدال الألم بالمتعة قد يكون مفيدًا على المدى القريب، ولكن الوحش المسجون سيزأر في النفس بين الحين والحين. إنه لا سبيل إلا بمواجهة الألم والنظر للنفس وعدم التحايل عليها. فالعقل والنفس أذكى من أن نخدعهما، فمهما حاول الإنسان أن يرسم تصورًا لنفسه غير حقيقته فلن يستطيع؛ لأن النفس الحقيقية المتألمة سيتم جذبها للسطح دون توقف.

لقد جاءت الأديان وهي تدرك تلك الحقيقة؛ فعملت على إقناع الإنسان أنها تستطيع أن تخفف عنه ذلك الألم وتلك المعاناة. تستطيع أن تنقله من عالم الشقاء إلى عالم السعادة، من حالة الألم إلى حالة الاستمتاع. إنها تطالب الإنسان بالنظر إلى الروح بدلاً من الانشغال بالجسد. إنها تطالبه باللجوء إلى الإله «الله– عيسى– بوذا– زرادشت» فإن عنده ما يصبو إليه الإنسان من الخلاص من آلامه وشقائه ومعاناته.

والسؤال: هل يجد الإنسان الراحة والسعادة عند اللجوء إلى الله أو الإيمان أو الروح؟ الجواب: إن السواد الأعظم من بني البشر لم يصلوا إلى الراحة التي ينشدونها بعد لجوئهم لعالم الغيب إلا بمقدار تلك الراحة التي يحصل عليها بعد حديثه مع طبيب نفسي أو تناول بعض الأدوية لتخفيف حالات التوتر والقلق والاكتئاب. ربما كان الاتصال خاطئًا؟ ربما، ربما اللجوء إلى قوى الغيب في النفس وخارجها لا يحقق الراحة المنشودة لأننا في دار ابتلاء؟ ربما، ربما من وصلوا للراحة لم تكن راحة حقيقية بل أقنعوا أنفسهم أنها راحة، من باب «من اعتقد في حجر شفاه رب الحجر»؟ ربما، هل هي راحة حقيقية أم أنه استمتاع بالمعاناة تحت رحمة الرب؟ ربما، ربما، ربما.

ولعل دور الثقافة الإسلامية والخطاب الديني الإسلامي لا يمكن إغفاله في هذا المجال؛ فالثقافة الإسلامية والخطاب الديني الإسلامي يرسخ في النفس الرضا بالألم والمعاناة حتى الموت استبقاء للثواب العظيم بعد الموت. إنهم بدعوة الناس إلى الإيمان وطاعة الله لا يضعون حلاً حقيقيًا للتخلص من الألم والمعاناة، إنهم فقط يخدرون العقل والنفس للرضا بما هو فيه. إنهم يجعلون الإنسان مفعولاً به على طول الخط، يبتلى فيصبر، بل من الورع ألا يطلب رفع المعاناة حتى ولو بالدعاء. إنهم يدفعون الإنسان والمجتمع لاتخاذ الموقف السلبي من المعاناة والألم النفسي والظلم الاجتماعي.

إن الرجوع إلى الله إحدى سبل الراحة والتخلص من الألم، وليس هو السبيل الوحيد. إن الإنسان والمجتمع مطالبان شرعًا وفطرة باتخاذ كافة الوسائل لرفع الظلم الاجتماعي والتخلص من الألم النفسي؛ فإن الله الذي قال «ولقد خلقنا الإنسان في كبد» أي هم ونصب، هو الذي قال أيضًا «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا»، خذ بأقصى الأسباب للتخلص من ألمك وجاهد حتى تحصل على سعادتك الحقيقية.

إن الله لم يخلقنا ليعاقبنا. والمعاناة سنة في وجودها متوقفة في مقدارها على قدر سعي الإنسان والمجتمع في التخلص منها. ليس هناك مبرر لأن تعيش في مركز دائرة الألم، بل هناك عشرات المبررات والأسباب التي تدفعك للوصول إلى أقصى حدود تلك الدائرة، متعكم الله بالسعادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد