لن يكتب لك البقاء طالما لم تكن الأقوى، ستفنى عندما تمنح الحرية لمجتمعات تعودت على العبودية لعقود طويلة، تعودت على الخوف من الحاكم، تعودت على أنها تابعة لمن يحكمها، لشعوب لم ترد يومًا أن ترى النور، كان صدام حسين الأقوى في العراق فبقي عقود يحكمها وعندما أصبح الأضعف خرج الشعب مبتهجًا بسقوطه وموته، كان محمد مرسي في كرسي الحكم فاجتمعت حوله خصومه لينالوا رضاه وعندما أصبح الأضعف انقلب ضده من كانوا حوله.

بقي الخليج العربي إلى اليوم موطنًا خاليًا من القلاقل والخلافات برغم أنه يفتقر للحرية والديمقراطية، وكان السر في استخدام القوة ضد الشعب والإمتهان له وإذلاله، تم السماح بجزء من الحرية في دولة الكويت فتوقفت التنمية وظهر التخريب، نحن مجتمعات غير ناضجة لتمارس الديمقراطية والمطالبة بحقوقها لأننا نفتقر للوعي، منطق القوة -في إطار حكومات وليس مليشيات مسلحة- هو الأجدى مع هذه الشعوب.

في اليمن بعد الثورة كان سقف الحرية لا محدود، فكان غالبية المجتمع يتكلم عن فساد الدولة والحكومة والتحدث عن المسؤول الكبير والصغير، وكان يتم بشكل شبه يومي المناداة بتغيير الوزير الفلاني والقائد العسكري العلاني واستمر الوضع على هذا الحال فترة طويلة دون أن يحس أي مواطن بخوف من التحدث والخوض في هذه الأمور.

إلى أن أتت مليشيا الحوثي الانقلابية انقلب ذلك المواطن إلى شخص لا يخوض في السياسة ولا المناداة حتى بأبسط حقوقه. إلى درجة أنه تم قطع رواتب قطاع كبير جدًا من الموظفين وساد الفساد والسرقة وانقطعت جل الخدمات بما فيها الكهرباء والماء حتى على العاصمة صنعاء، فقوبل ذلك بصمت مريع ولم يناد أحد بحقه خوفًا من البطش والسجن والتنكيل. لو عاد بنا الزمن إلى الوراء قليلا وحصلت تصرفات خاطئة من الحكومة لوجدت الجميع يصرخ في وجهها، ليس لأنها فاسدة لكن لأنها لا تسبب لهم مصدر خوف.

لدينا اعتقاد خاطئ أن الغرب متاح له كامل الحرية للتعبير والاعتراض، ولكن لديهم اتزان ويعرفون متى يعترضون ومتى يصمتون فهم قد أعطوا حكوماتهم الثقة وهي منحتهم العيش الكريم، فلو أن المواطن طالب بما ليس له وسعى للتخريب فإنه سيلاقي أشد العقوبة، إضافة إلى ذلك أن مجتمعاتهم مختلفة عنا فهي لا تخوض في كلام السياسة كثيرا لأن لديهم ما يشغلهم فهم شعوب حية تصنع، وتنتج، وتتعلم وليس لديها وقت لتقضيه في الحديث عن السياسة، والخلافات. كما أن لديهم الوعي الكافي بحيث إنهم قد وصلوا إلى عدم التدخل في شؤون انتماءات أفراد أسرهم السياسي أو حتى معتقداتهم الدينية.

نحتاج لوعي كاف لنصبح مثلهم مستقبلا، أما الآن فنحن بحاجة إلى قوة تنظم شؤون بلادنا لننعم بالأمن قبل الحلم بالعيش كالغرب المتقدم والتقليد له في الحريات. نحن بحاجة لأبسط مقومات العيش الكريم من غذاء، وصحة، وتعليم. بعد ذلك نأمل أن نطمح بالمزيد لنصبح كالعالم المتقدم.

كان حتى المجتمع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسوده أمن قوي لا يسمح بالنيل من الدولة وسيادتها، فلم يكن أحد يتصرف وفق هواه فقد كان لديهم دين ينظم حياتهم ودولة تؤمن لهم سبل العيش الكريم. العالم اليوم يحترم من يملك السلاح القوي، والاقتصاد القوي، والصناعات القوية، والجيش القوي، والنفوذ القوي… غير ذلك لن يحترمنا العالم وسنظل في وضعنا البائس وفي النفق المظلم حتى نفتح نافذة للنور نستطيع من خلالها رؤية العالم الجديد ومواكبته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك