كان وما زال نسبة العجز، والتخلف الذي يعترينا إلى الأقدار. كثيرًا ما نسمع من قيادات الإسلام السياسي يحيلون تراجعهم السياسي إلى الأقدار وأن المؤمن مبتلى وعليه الصبر، والثبات؛ ولم يلقوا باللوم على أنفسهم ومجهوداتهم البشرية التي يعتريها الركود والقصور. كانت عبارة إن الله معنا هي العبارة الأكثر استخدامًا عند تراجع المكاسب السياسية لتنظيمات الإسلام السياسي.

وكان أتباعهم ولا زالوا يجدون في هذه العبارة ملاذًا آمنًا للهروب من اتهام الجهد الفردي والجماعي من القصور وتحميل كل تراجع إلى القدر مع توصية أفرادهم بالمزيد من الثبات والصبر.

لم يسعوا لتغيير منظورهم في كيفية التعامل مع الواقع بطريقة مختلفة وبأساليب سياسية بحتة وتأهيل قيادة جديدة ليس بالضرورة أن تنهج الخطاب الديني لإرضاء الشارع بمدى أحقيتها بإمساك زمام الأمور.

الدين ليس متهمًا بالقصور أو عدم صلاحه في الحياة السياسية، بل القصور لدى المتدينين الذين يفهمونه بطريقه تناسب عقلياتهم ومحيطهم.

أصبح الخطاب الديني لدى الكثير من الجماعات طريقة سهلة لكسب الشارع ونيل رضاه، لتحقيق مكاسب سياسية وليس لتطبيق الدين وقد رأينا كيف يتم تأجيج الصراع، والاقتتال على هذا الأساس وإقناع عامة الناس أنهم بهذه الطرق ينصرون دين الله وهم في الحقيقة لم ينصروا غير رغبات القيادة التي استطاعت خداعهم وتضليلهم.

لدى بعض الأحزاب نية صادقة في التغيير وحتى أن لديهم قناعة راسخة أن الدين لا يتم تطبيقه إلا وفق جماعة أو حزب معين وقد بذلوا جهودا كبيرة وكانت تضحياتهم حقيقية وصادقة؛ لكن لم يدركوا أن الهدف من خوض السياسة ليس تطبيق الدين بل الهدف هو توفير حياة كريمة يسودها الحرية والأمن للمواطن العربي والمسلم، الهدف في تغيير ومعارضة حكومات جثمت على الشعوب لتورث لها الضعف، والهوان، والاستبداد.

لو سألت المواطن العربي أيهما تفضل حكومات الدول العربية أم الغربية؟ سيجيبك على الفور أنه يفضل الحكومات الغربية ويتمنى أيضًا العيش في الغرب الذي لا يتم النظر فيه إلى التدين باعتباره معيارًا لكفاءة الأحزاب والحكومات. لكن لو عرف أنه سيتم اختيار حكومة في بلده ذات كفاءة عالية لكن نظامها على أساس علماني ستجده لن يقبل بها لأنها غير دينية، وهذا تناقض عجيب.

يجب على جماعات الإسلام السياسي تغيير الرؤية لدى أفرادها في مدى أهمية الفصل بين العمل التنظيمي الديني وبين العمل السياسي، وأن الشعب يريد أن يرى تطبيق الدين في بطون الفقراء الجائعة عندما تشبع، في عقول النوابغ عندما تعطى الإمكانات والتشجيع من الدولة، في الأمن، في جودة التعليم، في الحقوق والحريات، في إرساء قيم التسامح والتعايش المشترك، في احترام الإنسان لإنسانيته أيا كان دينه وعرقه وشكله.

كان النبي عليه الصلاة والسلام هو أول من عمق مبادئ القيم والحرية والتعايش مع الآخر،كان يعلم أنه مسؤول عن أحوال المسلمين وكذلك كان الفاروق عمر وكثير من قادة الدولة الإسلامية في عصور التابعين ومن بعدهم.

يتم اليوم التنصير بأسلوب شبيه بالمقايضة، وذلك من خلال رصد واستغلال أسر ومجتمعات فقيرة ليتم تأمين الغذاء والدواء لها ومن بعدها يتم إقناعهم بمدى سماحة ورحابة الدين المسيحي. هذه النقطة توضح إلى أي حد تستطيع إقناع من تناديه للعمل معك والانضمام لك أن يقتنع بجدارتك وأن دينك أو حزبك قادر على النهوض بالإنسان واحترامه وليس مجرد صرف كلام وتنظير وتبشير بمستقبل جميل مقابل المزيد من الكفاح الذي جربناه لعقود طويلة دون جدوى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد