كمجتمع عربي تثيره مواضيع النخوة، والقوة، وتقمص الشخصية الجادة نجد أن هذا الأمر يتسلل إلى طريقة الخطاب الديني فكثيرًا ما يتحدث الواعظ بصوت مرتفع ونبرة حادة مع وجود محتوى هش ليس أكثر من كلام إنشائي يفتقر إلى المضمون الجيد؛ غالبًا ما يصاحب هذا الأسلوب طريقة جديدة ومبتكرة بغرض لفت الانتباه، ولكل زمن طريقته الخاصة. في العقد الماضي طال الحديث حول أهوال العذاب، وكيف أصبح الناس يخاطرون بآخرتهم لأجل دنياهم، وكيف صاروا يشاهدون القنوات الفضائية التي تعتبر من المحرمات كيفما كان محتواها، وكيف أصبحوا يبيحون التصوير الذي يعد من المنكرات،  وكيف يأكلون بالملاعق وقد خلقت لهم أيادي، وكيف يلبسون الثياب الطويلة التي تغضب الخالق، وكيف ينتمون لأحزاب سياسية، فهذا جرم عظيم وخطره جسيم.

كل ما سبق كانت تتبناه جماعات معينة وكانت تعتقد أن هذا هو الإسلام الأصيل ولم يعد هناك ما يحتاجه البشر اليوم غير الإلتزام بهذه المسائل. ذهبت هذه الفئة في هذا الطريق السهل لأنه كان يسيطر على حياتهم الفراغ مع وجود جهات داعمة لهم تمولهم بكل الاحتياجات؛ وكانت الجهات الممولة لها أهداف سياسية ورأت أن توجيه مسار الخطاب الديني في صالحها سيضمن بقاءها فترة طويلة فتم كسب ود شخصيات بارزة كواجهة دينية لها ثقلها وتأثيرها على عامة الناس ليتم صنع جماعات تنتهج خطاب موحد لطرح قضايا بسيطة تجعل الناس في منأى عن التفكير في القضايا الجوهرية كالقضايا السياسية، والاقتصادية وتصويرها على أنها ليست من شأن عامة الناس وأن الخوض فيها خروج عن طاعة ولاة الأمر لهدف التخريب وإثارة الفوضى؛ ليأتي دور الجناح المتكفل بقمع الناس كأجهزة المخابرات والأمن.

استمر هذا الخطاب فترة طويلة وكان تأثيره سلبي على عامة الناس من مؤيديهم فقد صارت لديهم سلوكيات عدوانية تجاه مخالفيهم حيث يتم اتهامهم بالكفر والعمالة للخارج، لم يعجبهم طريقة الحوار والقبول بالآخر والدعوة بالتي هي أحسن. كان أكثر ما يطرح عليهم أنه يجب عليهم المزيد من الصبر والسير على هذا الطريق حتى تكون لهم العزة والتمكين في الأرض؛ بقيت لديهم الأفكار واستنزف منهم الصبر فذهب بعضهم للسير وفق طريقة تبيح لهم التخلص من مخالفيهم بالترهيب والتنكيل.

لم تكن الساحة متاحة لهم لوحدهم لنشر أفكارهم وتطبيقها فقد صارت ممله لدى عامة الناس بالتوازي مع ظهور أطياف عدة في المجتمع تنهج طرق أخرى لتبني الوعي والإسلام الوسطي ونهج المسار السياسي للمناداة بالحقوق والحريات؛ بعد مدة صارت هنالك تحولات لدى الجماعة الأولى، فقد أصبحوا يشاهدون التلفاز، ويظهرون عليه أيضا لقدرته على نشر ما يريدون بسهولة وكيف أنه ذو تأثير إيجابي ويمكن استخدامه في تلميع ولي الأمر والتحريض على كل من يقفون ضده وتدعيم الآراء السياسية بصبغة دينية، وأصبح التصوير أيضا شيء عادي خصوصا لو أراد أحدهم إرفاق صورته في ملف توظيف أو جواز سفر أو حتى الصورة الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح هذا شيئًا عاديًا ويثير الملل والسخط في حال الحديث عنه.

كان هدف الساسة البقاء وكان هدف عامة الناس الوصول السهل لتصدر الوجاهة ولبس رداء التدين لفرض أحقيتهم في الظهور والهروب من صراعات الحياة الصعبة التي تفرض الجدارة كمبدأ رئيس لتصدر الواجهة في خضم التنافس الشرس القائم اليوم من علوم وتكنولوجيا، وقوة إقتصادية، وصراعات نفوذ عسكري وغيرها.

أصبح الناس اليوم أكثر وعيا وقدرة على تمييز ما يخدمهم وما يتوافق مع مصالحهم وتم معرفة كيف يمكن لهم العيش بحرية وسلام والقبول بالجميع والتعايش معهم وكيف يمكن لهم التحرر من القيود الفكرية التي تم حشرها في عقولهم منذ الصغر، وأصبح العائق الوحيد أمامهم هي الحكومات التي تتنج القمع ولا شيء غير القمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!