ونحن نقترب من ذكرى النكبة التي كانت نتيجة حتمية لقيام «إسرائيل» الكيان الغاصب الذي سرق جهارًا نهارًا، مُحدقًا في أعين كل العالم مُباشرة دون خوف أو رهبة، وطنًا بأكمله ثُمّ كًتب التاريخ على مزاجه مُعطيًا نفسه الحق والشرعية للسرقة والقتل والتهجير والتنكيل بالفلسطينيين.

سنفهم العقلية الصهيونية هذه إذا ما عرفنا أنه في جامعاتها لا يوجد قسم تاريخ واحد تتفرع منه مختلف الاختصاصات، في جامعة تل أبيب هنالك قسم التاريخ العام وقسم التاريخ اليهودي منفرد وكأن اليهود يعيشون في عالم موازٍ لعالم البشر. ربما لأن «شعب الله المختار» له تاريخه الخاص المتفرّد الخارج عن تاريخ البشرية، تاريخ يحلّ الله فيه ويحلّ في «الشعب» فيكون الشعب مُقدسًا لا يجب أن يختلط بـبقية الأجناس! كُتب في تاريخهم أنهم وجدوا أرضًا بلا شعب فحقّ لهم أن يستوطنوها لأنهم شعب بلا أرض، وبأن تلك الأرض هي مهدهم والوعد الموكول إليهم من الله والذي سيتحقق لا محالة!

وكُتب في تاريخنا أنها أرض لم يُبارحها سُكانها، أنها أرض يعيش فيها المسلم والمسيحي واليهودي منذ أزمنة بعيدة، والجغرافيا لا تكذب كذلك فالقُرى والمدن والأرياف كانت موجودة وكانت تحمل أسام عربية غالبًا، لكن مع ذلك ورغم أنف التاريخ والجغرافيا استُوطِنت الأرض وكانت النكبة 15 مايو (أيار) 1948 ونزح الآلاف من المُهجّرين من ديارهم وشُتّتوا داخل فلسطين وخارجها.

التهجير كان عملية شرسة قامت خلالها عصابات المنظمات الصهيونية بطرد الفلسطينيين من قُراهم ومدنهم قسرًا تحت العنف والتخويف والتهديد ونشر الرعب، بقوة السلاح وبقوة السلطة وبقوة العلاقات الدولية وبقوة الحاجة الغربية لزرع كيان غريب في قلب المنطقة العربية تُصدر إليها يهود أوروبا وترتاح من حملهم، وربما كذلك لحاجة البعض في تسريع عجلات الزمن لنهاية العالم وخروج المسيح أو الماشيح المنتظر!

ونحن نقترب من ذكرى النكبة، يقترب المجتمع الدوليّ من ذكرى تواطئه وتنميقه لصورة المُغتصب، نعم هو كذلك بل أفظع. لقد جلب فضولي خبر عدم منح جائزة نوبل للآدب هذه السنة وقمتُ ببحث صغير حول هذه الجائزة والميادين المُختلفة التي تُسلّم فيها وذُهلتُ أن يومًا ما أُسندت جائزة نوبل للسلام لمُهندسي الحروب وقادة المجازر والعاملين على نهب الأوطان.

مناحم بغين سياسي صهيوني والرئيس السادس لوزراء ما يُسمى بإسرائيل والحاصل على جائزة نوبل للسلام إلى هنا، يبدو  الأمر ليس مُستغربًا كثيرًا على الأقل بالنسبة لإنسان لا تهمه القضية الفلسطينية عموما، لكن الأمر الصادم لأي شخص يملك ذرة من الإنسانية مهما كانت جنسيته أنه في صفحة التعريف به على ويكيبيديا فقرة خاصة مُعنوَنة بـ«مجازره»!  الرجل له تارخ في الإجرام والمجازر والتقتيل، نعم هو كذلك، هذا الرجل صاحب مجازر شنيعة وهو قائد إحدى العصابات الصهيونية المُسلحة «الأرغون» التي عملت جنبًا إلى جنب مع المؤسسة الشهيرة الـ«هاغاناه» وشردت آلاف الفلسطينين ونكّلت بهم.

هو نفسه وعصابته الـ«أرغون» الذي أشرف على مذبحة «دير ياسين» والتي راح ضحيتها أكثر من 360 فلسطينيا! «أن السلام حقيقة مكذوبة» هكذا تغنى بها «شحرور» الشابي، الشاعر التونسي، حين انقضّ عليه «الثعبان» ليلتهمه كما التهم ثعبان إسرائيل أراضي فلسطين. السلام يُوزّع على منصات العالم بينما يرزح المُستضعفون تحت وطأة الفائزين بجوائزه، هذه المُعادلة الغريبة التي يقوم عليها العالم ويُصفّق لها بحرارة، كحرارة دمعة مُشرّد يتيم هُجّر من وطنه وقُتلت أمه وضاع مطلبُه ودُلّس تاريخه.

وفي ذكرى النكبة لا يسعك إلا تصفّح الإنترنت ومُطالعة أحداثها والمجازر التي أُقيمت خلالها، ستقرأ اسم مُجرم مُنِح جائزة نوبل للسلام رغم دماء كل الذين قتلهم ورغم أنف السلام في حدّ ذاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد