احتضن مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني في الرباط يوم 27 يناير (كانون الثاني) 2018، محاضرة الفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمن تحت عنوان «الأسس الائتمانية للمرابطة المقدسية»، والتي جاءت تفاعلًا مع ما استجد بخصوص القضية الفلسطينية، ألا وهو إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، فما كان من الدكتور طه عبد الرحمن إلا أن يساهم بهذا النص الفلسفي الذي تناول فيه القضية الفلسطينية في بعدها الفلسفي، وذلك اعتبارًا لأهمية المدخل الفكري أولًا في الوعي بخصوصية القضية، وثانيًا في البحث عن حلول لإشكالاتها المعقدة، فكان هذا الموعد الفكري نموذجًا فريدًا للقاء الفكر بالواقع وتفاعل الثقافة مع المجتمع، كما كان أيضًا محطة مهمة للتذكير بمركزية هذه القضية في سلم القضايا الإسلامية والإنسانية.

لذلك رأينا أنه من المهم أن نقرب القارئ المهتم من مضامين هاته المحاضرة باعتبارها نصًا فلسفيًا يقارب القضية الفلسطينية في بعدها الفلسفي والإنساني، ولكونها محاولة جادة للعودة بالقضية إلى مصاف القضايا المركزية في الساحة الفكرية العربية الإسلامية.

يقرر الدكتور طه عبد الرحمن بداية أن الإنسان الفلسطيني يلحقه أذى لا نظير له ولا تقدير من الأقارب والأباعد، ولا سبيل للوقوف على حقيقة هذا الأذى إلا بالوقوف على حقيقة الإنسان الفلسطيني نفسه، الذي له خصوصية ليست لسواه، ذلك أن الأرض الفلسطينية هي ملتقى العوالم، الشهادي منها والغيبي، والإرث الفلسطيني هو ملتقى الأبعاد، الزمني منها والسرمدي، وبالتالي فلا تنفع لمعرفة هاته الحقيقة سوى المقاربة الفلسفية التي تصل العالم الشهادي والغيبي، والبعد الزمني والسرمدي، وهي المقاربة التي سماها الدكتور طه عبد الرحمن ب«المقاربة الائتمانية»، ومبناها على مبدأ أساسي «أن لكل شيء بعدين: الصورة أو المظهر الخارجي، والروح أو الجوهر الداخلي، والروح هي الأصل وما الصورة إلا مظهر لها».

فإذن هذا الإيذاء الذي يلحق بالإنسان الفلسطيني له صورة وروح، والعبرة بروحه لا بصورته وهو على ضربين: الأول إيذاء الأرض، وروحه إيذاء الذي بارك هاته الأرض وهو الإله، والثاني إيذاء الإرث الفطري، وروحه إيذاء الذي أنتج هذا الإرث وهو الإنسان، أما الأول -و هو أسبق من الثاني كما تَحفظ ذلك الذاكرة التلمودية للإسرائيليين- فيتجلى في منازعتهم للإله في أسمى صفاته وهي المالكية، ذلك أنهم يعتبرون أن كل ما يمكن انتزاعه هو ملك لهم فأصبحوا يتعاملون مع كل الأشياء بالملكية (كل الأشياء تُملك)، وسماه الدكتور طه عبد الرحمن بـ«الإحلال»، وهو في تعريفه الائتماني «احتلال الأرض منازعة للمالكية الإلهية» أما الثاني فيتجلى في إيذاء الإنسان الفلسطيني في فطرته المؤصلة التي يَصنع بها تراثه، وهي بمثابة الذاكرة التي تحفظ القيم نازلة من الروح منزلة الجوهر، واتخذ هذا الإيذاء صورة احتلال الإرادة الإسرائيلية لفطرة الإنسان الفلسطيني المؤصلة، وسماه الدكتور طه عبد الرحمن بـ«الحلول» وحَده الائتماني «احتلال الفطرة المؤصلة جلبًا للقبول بتدنيس الأرض المقدسة»، ومعنى ذلك حلول الإرادة الإسرائيلية بذات الإنسان الفلسطيني بهدف إفساد فطرته بما يجعله يتلقى بالقبول مفاسد احتلال أرضه اغتصابًا وتهجيرًا وتشريدًا وتدميرًا.

وإفساد الفطرة على درجتين: الأولى قلب القيم والثانية سَلب الفطرة

أما قلب القيم وهو إفساد جزئي فيقوم على «فصل الإنسان عن القيم بما يخدم أغراضًا مخصوصة»، ولهذا الفصل ثلاث نتائج:

1- إفساد الذاكرة المفضي إلى القدح في سابق الاعتقاد والقيم أو التخلي عنها أو إنكارها أو نسيانها بالمرة، وبالتالي اختلال العلاقة بالماضي.

2- تحقير الذات المفضي إلى فَقدِ الإنسان الفلسطيني ثقته بقدرته على التغيير وهدفه اختلال علاقة الفلسطيني بحاضره.

3- إفساد التوجه بجعل الفلسطيني يضطرب في اختياراته وأولوياته، فلا يجزم بشيء فاقدًا لقِبلته، والهدف اختلال علاقته بمستقبله.

هذه النتائج أو الاختلالات الثلاثة تفضي مجتمعة إلى اختلال علاقة الإنسان الفلسطيني بالمكان أو الأرض المقدسة التابع للزمان.

أما سلب الفطرة وهو حلول كلي فيفضي إلى قطع العلاقة بعالم الروح، ويتجلى ذلك في التطبيع الذي هو بمثابة تضييع وهو على أربعة أنواع:

1- تضييع الطبيعة الذي يهدف إلى إضفاء المشروعية على الكيان الصهيوني بحيث يصير جسمًا طبيعيًا في الأرض المقدسة.

2- تضييع الروح الذي يفضي إلى اقتلاع الفطرة من جذورها وهو بمثابة اجتثاث للروح.

3- تضييع الحياء، ذلك أن المطبع فَقدَ الحياء من النظر الإلهي.

4- تضييع القداسة، بحيث أن المُطبع يَعتبر أن الأرض ليست بالقداسة المظنونة.

وبناء على كل هذا يبقى التساؤل في نظر الدكتور طه عبد الرحمن هو: كيف ندفع الإيذائين الإسرائيليين: إيذاء الإله وإيذاء الإنسان؟

لَما كان الإحلال بالأرض تدنيسًا لها وإزالة القداسة عنها لزم أن يكون دفع الإيذاء بتطهير هاته الأرض من الدنس أي تجديد قداستها، ولَما كان الحلول احتلالًا للفطرة المؤصلة أي تزييف الفطرة، لزم أن يكون دفع الحلول بإعادة الأصالة إلى الفطرة وتطهيرها من الزيف، والسبيل إلى دفع هذين الإيذائين في نظر الدكتور طه عبد الرحمن هو «المقاومة التي تأخذ بالمبدأ السالف الذكر، والتي تقرر أنه لا نهاية للاحتلال إلا بإزالة روحه» وسماها «المرابطة المقدسية»، وهي «المقاومة التي تلازم ثغور الأرض المقدسة لكي تتصدى لتدنيسها وتعيد إليها قداستها، وتلازم ثغور الفطرة المؤصلة لكي تتصدى لتزييفها وتعيد إليها أصالتها» ويَلزم من هذا أن المرابطة المقدسية ليست فضاءً ماديًا بقدر ما هي فضاء معنوي، وبيان ذلك من ثلاثة وجوه:

1- أن قداسة الأرض وأصالة الفطرة التي تتولى المرابطة المقدسية تجديدهما، هما معنيان روحيان صريحان وحضورهما في الوجدان أقوى من حضور المُدركات الحسية.

2- أن هذه المقاومة تأخذ من مصادر متعددة:

  • عظمة الموروث الروحي الذي خلفه الأنبياء الذين مروا من هاته الأرض المقدسة.
  • قوة الرباط بشكل عام ورباط البراق بشكل خاص.
  • جلال السجود (القرب من الله)، فالمرابطة حالة سجودية تلازم المرابط في كل أحواله.
  • جمال الشهود (الإسراء والمعراج وما صاحبهما من مشاهد) ،فالمرابطة حالة شهودية تُلازم المرابط في كل أفعاله.

3- أن المرابطة المقدسية مرابطة بالروح أو حالة روحية، والمرابطة بالجسد تَبع لها، وهذه المرابطة تتصف بخاصيتين:

أولهما: الخاصية الائتمانية: ذلك أنه لَما كان المرابط المقدسي يتصدى لتدنيس الأرض المقدسة أو الإحلال، فقد لزم التوسل في ذلك بسبب يأخذه من الذخيرة الروحية لبيت المقدس نفسها حتى يتمكن من إعادة القداسة لهاته الأرض، وما هذا السبب الروحي القدسي إلا «الإسراء»، فخصوصية الإسراء النبوي أنه حصل بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومعلوم أن المسجد بيت لا يملكه أحد غير الله فيلزم أن الإنسان ائتُمن على هذا البيت، وأن الإسراء لا يكون إلا في فضاء ائتماني ومن ثم يقوم إسراء المرابط في حفظ الحالة الائتمانية الأصلية استحضارًا لها وتلبسًا بها، وهي التي عرض فيها الحق سبحانه الأمانة على مخلوقاته فأبت أن تحملها استعظامًا لأمرها، إلا أن الإنسان ارتضى حملها. وبالتالي فحفظ المرابط المقدسي لهاته الحالة الائتمانية الأصلية يجعله يتبين أن علاقته بجميع أفعاله وتصرفاته الرباطية ليست علاقة امتلاك وإنما علاقة ائتمان ناسبًا ملكيتها لله وحده.

ويترتب على هذا نتائج مهمة وهي:

أولًا: أن الأصل في التعامل مع الأشياء هو الائتمان وليس الامتلاك.

ثانيا: أن علاقة المرابط المقدسي ببيت المقدس هي علاقة ائتمان لا علاقة امتلاك لأن هذا البيت هو بيت الله، مما يجعل المرابطة المقدسية حالة سجودية ملازمة للمرابط المقدسي.

ثالثا: لَما كان بيت المقدس يوجب التعامل الائتماني، بات التعامل الامتلاكي مع هذا البيت رافعًا لقداسته وتدنيسًا له.

رابعا: أن المرابط المقدسي لا يرابط مزاعم الاسرائيليين ملكية الأرض المقدسة بدعوى ملكية أسلافه الكنعانيين لها، وإنما يواجهها بدعوى أنه مؤتمن على هاته الأرض حفظًا لقداستها.

وبالتالي فهاته المقاومة الائتمانية تقوم على مبدأ أن الأرض المقدسة، هي أمانة في عنق المرابط المقدسي وعليه واجب حفظ قداستها وهذه المقاومة على ثلاثة مستويات:

الأول: تجريد الفلسطيني من وصف المالكية بحيث لا يُقر بمالكيته للأرض المقدسة

الثاني: ترسيخ ثقافة الائتمان بدل ثقافة الامتلاك

الثالث: استرداد الأمانة أو أمانة حفظ الأرض المقدسة

ثانيهما: الخاصية الإشهادية: ذلك أنه لَما كان المرابط المقدسي يتصدى لتزييف الفطرة أو الحلول، فقد لزم التوسل في ذلك بسبب يأخذه من الذخيرة الروحية لبيت المقدس نفسها حتى يتمكن من إعادة الأصالة لهاته الفطرة، وما هذا السبب الروحي القدسي إلا «العروج» الذي خاصيته أن الله تعالى أشهد رسوله من آياته العظمى وصفاته الحسنى ما لم يُشهده أحدًا، لذلك يقوم عروج المرابط المقدسي على حفظ الحالة الإشهادية الأصلية استحضارًا لها وتلبسًا بها، ذلك أن هذه الحالة الإشهادية الأصلية التي أشهد فيها الحق سبحانه بني آدم على ربوبيته ووحدانيته، ومتجليًا لهم بصفاته آخذًا منهم الميثاق، وهذا الإشهاد الأول هو الأصل في وجود الفطرة، إذ أن ما تنطوي عليه الفطرة من المعاني الروحية والقيم الخلقية إنما هو من آثار التجليات الإلهية يوم الإشهاد، والحال أن المرابط المقدسي يدرك أن هاته المعاني والقيم التي فطر عليها هي التي تجعل منه الإنسان المراد لربه، فما من عمل يأتي به لدفاع الحلول الإسرائيلي إلا وهو موقن أن إرادة ربه تتولاه فيه، فعلامة أصالة الفطرة عند المرابط هي إيقانه أن فطرته عبارة عن إرادة الله فيه، وبالمقابل علامة زيف الفطرة عند المطبع هي إخضاعها لإرادة المحتل الإسرائيلي إذ يصبح الإسرائيلي بمنزلة إله نازل فيه.

ويمكن تقسيم المُطبعين باعتبار تأثيرهم إلى فئتين:

1- فئة الأفراد: وتقوم المرابطة المقدسية التي تتقصد هاته الفئة على مقاومة تجليات الإرادة الإسرائيلية في السلوك التطبيعي عند الأفراد.

2- فئة الحكام: وتقوم المرابطة المقدسية التي تتقصد هاته الفئة على مقاومة تجليات هذه الإرادة في التطبيع التدبيري للحكام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد