أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي صبح الأحد 29 يوليو (تموز) 2018 عن أيقونة النّضال الفلسطيني الفتاة عهد التّميمي ووالدتها ناريمان بعد انقضاء فترة محكومتيهما بالسّجن مدّة ثمانية أشهر، وقد غيّرت سلطات الاحتلال موقع الإفراج ثلاث مرّات لمنع التّغطية الإعلامية وحرمان الفلسطينيين من استثمار الحدث باعتباره كسبًا معنويًّا، فما الّذي يجعل الاحتلال الصهيوني، المدجّج بكلّ أنواع الأسلحة والمدعوم من كلّ قوى التسلّط العالمية يرتعش من فتاة لا تمتلك سوى فكرة وقلب ينبض بحبّ وطنها؟

اعتقال عهد التّميمي

أكثر من عشرين دورية مدجّجة بالسّلاح أقدمت على اعتقال عهد في ساعة متأخّرة من ليلة الثّامن عشر من ديسمبر (كانون الأول) 2017 عبر مداهمة منزلها في قرية النّبي صالح قرب مدينة رام الله المحتلّة، وذلك بسبب تصدّيها لجنود الاحتلال وصفعها لجنديين في مشهد تناقلته وسائل الإعلام العالمية وكان صفعة موجعة ومذلّة للاحتلال.

ولم تكن تلك الواقعة الوحيدة في رصيد عهد النّضالي الّتي ولدت في عائلة مقاومة 31 يناير (كانون الثاني) 2001 بقرية النّبي صالح ويبدو أنّها رضعت من أمّها نارمين المعتقلة خمس مرّات في سجون الاحتلال محبّة الأرض والنّضال كما أخذت عن أبيها باسم التميمي المتحصّل على ماجستير القانون الدّولي (من جامعة برشلونة) والمعتقل عديد المرّات وأصيب من جرّاء التعذيب بشلل نصفي لم يمنعه من أن يستمرّ في النّضال والمقاومة.

عهد انخرطت في مسيرة النّضال الفلسطيني منذ إن كانت جنينًا في بطن أمّها، وكانت متواجدة منذ سنّ الرّابعة في فعاليات النّضال الشعبي الفلسطيني وقد تميّزت بحضورها الدّائم في مسيرة النّبي صالح الّتي انطلقت منذ ديسمبر 2009 تظاهرة شعبية أسبوعية لأهالي القرية وبعض المتضامنين الدّوليين ضدّ جدار الفصل العنصري ومصادرة أراضي القرية لصالح مستوطنة «حلميش» وهي الّتي كانت تصرخ بصوتها الطّفولي: «اخرجوا من أرضنا فهذه الأرض ليست لكم»،صرخة مدويّة مزلزلة كانت ترعب الاحتلال السّاعي لتغيير معطيات التّاريخ والجغرافيا.

قبل اعتقالها في 2017 تعرّضت عهد للإصابة ثلاث مرّات برصاص الاحتلال «المطّاطي» كما أصيبت بكسر بيدها.

وبعد اعتقالها تمّ توجيه 12 تهمة لعهد، منها إعاقة عمل وإهانة جنود،توجيه تهديدات والمشاركة في أعمال شغب وإلقاء الحجارة، تمّ التحقيق معها والضّغط عليها بكلّ الوسائل لأن تنكسر، فما ازدادت إلاّ ثباتًا وصمودًا، كانت نظراتها الحادّة المتحدّية وابتسامتها السّاخرة من جبروت الاحتلال وبعض إشاراتها وهمساتها، رصاصات قاتلة في قلب المحتلّ.

أتمّت عهد محكوميتها المقدّرة بثمانية أشهر (صحبة والدتها) ليجبر الاحتلال على الإفراج عنهما، وهي مصرّة على ما قامت به، بل وفخورة وكأنّها تقول لو وجدت رصاصة لرميتكم بها عوض الصفعة.

أفرجت سلطات الاحتلال عن عهد وأمّها وغيّرت موقع الإفراج ثلاث مرّات لمنع التغطية الإعلامية للحدث في سعي منها لحرمان الفلسطينيين من فرحة بكسب ولو معنوي،أيّام بعد مشروع يهودية الدّولة وفي ظلّ مساع محمومة لتصفية القضيّة الفلسطينية من قبل الصّهاينة وداعميهم من الغرب والمتصهينين العرب، يبدو أنّ عهد كانت صفعة لصفعة القرن.

لم ترعبهم عهد؟

عهد النّضال، الصّمود والمقاومة في عهد الانكسار والانحطاط والانبطاح العربي. عهد العزّة والشّرف في عهد الخسّة والنّذالة والعمالة. عهد الثّورة والشّعلة في عهد الاستكانة المذلّة والظّلمة. عهد الحياة والأمل في عهد تسرّب اليأس إلى النّفوس واشتدّ بها الألم. عهد مشروع تحرّر الإنسان والوطن في عهد عبودية الإنسان وعهد تحوّل فيه الوطن إلى هيكل ميّت ووثن.

عهد الفطرة المقاومة والّتي لم تفلح معها كلّ طفراتهم الجينية لأجل إعادة تشكيل الذّاكرة الجمعية الرّافضة للظّلم والاحتلال. عهد المشروع الصّامد الرّافض لكلّ مشاريع التّصفية للقضيّة الفلسطينية العادلة وهي حائط صدّ لكلّ مشاريع التطبيع مع الكيان الغاصب. عهد الثّبات على العهد. عهد بشائر تحقّق الوعد. عهد الكابوس الّذي يهزّ مضاجع البعض. عهد هي ثقافة المقاومة.

عهد الّتي صفعت وما زالت تصفع جنود الاحتلال، صفعت بذلك كلّ المشروع الصّهيوني وضربته في مقتل وهي بذلك تقول أن لا مستقبل للمغتصب على أرضها وأنّ لها المستقبل. عهد ليست وحدها، مثلها الآلاف،البعض استشهد وبعضهم رهن الاعتقال وراء القضبان وآخرون ينتظرون مصيرهم: إمّا الشّهادة أو السّجن أو النّصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد