بربطة عنق زرقاء في لون نجمة داوود، أطلّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساء الليلة الفاصلة بين 6 و7 ديسمبر (كانون الأوّل) ليعلن مدينة القدس عاصمة لإسرائيل. رحّب رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو بقرار ترامب، واصفا إيّاه باللحظة التاريخية، بينما تباينت ردّة الفعل العالمي بين قلق ومستنكر، أمّا ردّة فعل العرب فكانت على نحو (شخبط شخابيط، لخبط لخابيط، مسك الألوان ورسم عل الحيط…) رسم العرب على حائط التاريخ عارهم وخنوعهم بالاقتصار فقط على أوراق أسموها بيانات شجب واستنكار، لكن في المقابل هبّ الشارع العربي والإسلامي على قلب رجل واحد، وجابوا الشوارع رافعين علم فلسطين تحت شعار القدس عاصمة فلسطين إلى الأبد.

بدت علامات العنجهية واضحة على وجه ترامب وهو يؤكّد أنّ هذا القرار عمره أكثر من عشرين سنة، لكنّ زعماء الولايات المتحدة المتعاقبين لم يترجموا هذا القرار  إلى واقع ملموس، ليأتي الرئيس الخامس والأربعين ويعلن القدس الشريف عاصمة للكيان الصهيوني. ومن المرجح أن تجتمع الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ليصدر عنهما وعن بعض الجمعيات والهيئات عدد من البيانات الشاجبة والمنددة بذلك القرار، ويمكن أن يتطوّر الموقف إذا ظلّ عند العرب شيء من ماء الوجه لأخذ قرار تاريخيّ كسحب عدد من الدول العربية لسفرائها بأمريكا اعتراضا على ذلك الأمر، وبالنسبة للدول المطبّعة تسحب فورا الاعتراف بهذا الكيان المغتصب، بالإضافة إلى تنظيم تظاهرات أمام السفارات الأمريكية بها على المستوى الرسمي والشعبي.

نقول هذا حتّى وإن غازل الرئيس الأمريكي بعض هذه الدول، لأنّه من المتوقع أن يتضمن الخطاب القادم أي بعد إعلانه الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل خطوات لتهدئة العرب بطول مدة نقل السفارة مما يمنح الوقت للمزيد من المفاوضات.

وفيما يخص تصعيد الأمر أمام المحافل الدولية، استبعد الخبراء هذا الأمر لسببين رئيسين: تاريخ العرب المخزي في انكفائهم عن التوجه نحو المؤسسات العالمية الفاعلة، والسبب الثاني في كون الولايات المتحدّة ستمنع مثل هذه الخطوات لأنّ لديها حق النقض الفيتو بها، ولن تسمح بشكواها، وفي الوقت نفسه نصت كافة المواثيق والقوانين الدولية على أن القدس فلسطينية محتلة كالضفة الغربية وجميع ما فيها يعود إلى الدولة ولا علاقة لإسرائيل بها وهذا منذ القرار 181 القاضي بتقسيم فلسطين.

أما على المستوى الداخلي، أي الجانب الفلسطيني فمن المرجح تنظيم مظاهرات حاشدة بها قد تصل إلى حد الانتفاضة الشعبية الجديدة والتي ستكون إن حدثت هي الانتفاضة الثالثة بعد 1987 وانتفاضة 2002 عندما اقتحم شارون باحات المسجد الأقصى بمعية جنود الاحتلال وتحت غطاء سياسي أمريكي وفّره له جورج بوش الابن آنذاك. وستقوم الفصائل الفلسطينية بطرح كافة الخيارات بما فيها المقاومة المسلحة للاعتراض على ذلك القرار أمام الاحتلال الإسرائيلي، بالإضافة إلى تحركات الرئيس محمود عباس الضخمة على المستوى الدولي ضد أمريكا.

كما أنّه من المتوقع أن تصدر الدول والهيئات والمؤسسات الدينية المسيحية والإسلامية عددا من بيانات الشجب والاعتراض والتنديد بذلك الاعتراف، والتأكيد على أن القدس فلسطينية تاريخيا وجغرافيا. ولعلّ الموقف الأبرز كان لتركيا حيث أكّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان توجّهه في وقت سابق إلى قطع العلاقات مع إسرائيل إذا اعترفت الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لها. وقال أردوغان إن مثل هذه الخطوة تعد تجاوزا للخط الأحمر بالنسبة للمسلمين. إلاّ أنّ  الكثير يرى أنّ الورقة الخليجية الأكثر قدرة على إيقاف مثل هذا القرار الأحمق لما تمثّله من قوّة تأثيرية على مستوى شحنات البترول والمضاربة المالية في الأسواق العالمية.

ختاما، وليس من باب الطرح السوفسطائي، فإنّ اعتراف ترامب بيهودية القدس يمثّل بداية النهاية لما تسمّى إسرائيل، ومن خلفها قوى الإمبريالية، وعلى رأسها الولايات المتحّدة، وبعيدا عن لغة العاطفة والشعارات نقول بأنّ إعلان ترامب هو في الحقيقة: القدس تعلن ترامب عاصفة لإسرائيل.. وهذه العاصفة ستدمّر هذا الكيان الغاصب ومن خلفه أمريكا.. وإنّ غدا لناظره قريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد