من البديهي في كل ميدان أن يكون هناك تتويج وجوائز نظير نتاج ما، ويحلم كل شخص من منظوره أن يكون اسمه داخل سجل المتوجين؛ لما في ذلك من انتصار لشخصه في أبعاد عديدة: عائلية، مجتمعية، وطنية، تاريخية… إلخ. وجائزة الرواية العربية «بوكر» تعد من أكبر الجوائز المرصودة للجانب الأدبي بعد جائزة نوبل للآداب. وهذه السنة أعلنت رواية الكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله «حرب الكلب الثانية»، الرواية الفائزة بهذه الجائزة. ردود فعل كثيرة ومتباينة تلت الإعلان عن فوز نصر الله، فكانت بين من يرى أحقية هذه الرواية بالتتويج، وبين من شكّك في أهليتها لتكون عروس البوكر لسنة 2018. فبين الاستحقاق والتشكيك، نحاول في هذا المقال دراسة الرواية من زاوية نقدية، بعيدًا عن بورصة الآراء بين الدعم والرفض.

في البداية، نشير إلى كون رواية «حرب الكلب الثانية» لم تجمع حولها عددًا من الدراسات النقدية من الناحية العددية، كما حصل مع رواية «الشحاذ» مثلًا لنجيب محفوظ، إذ كُتب فيها ما يزيد على 200 مقال في صحف ومواقع مختلفة. لكن هذا لا يبخس الرواية حقّها، لأنّ عامل الزمن كفيل بتحويل وجهة النقاد نحو هذه الرواية، لاسيما وأنّها اعتلت عرش البوكر لسنة 2018. وللولوج لهذه الرواية علينا أولًا الوقوف عند العنوان، ولعل عنوان الرواية «حرب الكلب الثانية» هو أهم العناصر المشكلة للنص المسيطر، أو كما وصفه الكاتب والناقد الفرنسي جيرار جنيت بالعتبة أو عتبة النص. فهو عتبة مهمة نتسلل من خلالها إلى عالم النص، وهو دخول غير شرعي، ولا يجب أن يكون شرعيًّا؛ فالرواية لا تفتح أبوابها دائمًا كما يفعل الشعر. كما أنّ العنوان هو نص في حد ذاته؛ لأنه رسالة بين باث ومبثوث، الباث هو المرسل أي الكاتب، والمبثوث هو المرسل إليه أي القارئ، فالعنوان ينتصب رسالة لغوية كاملة الأركان، تتميز باستقلال وظيفي في إنتاجيتها السردية بما يمنحها بعدًا ذاتيًّا وفردانيًّا. وحرب الكلب الثانية ورد مرّكبًا لا لفظة واحدة، وهو عنوان مستفز جمع بين مصطلح الحرب والكلبية، وأيضًا من الناحية العددية هي حرب ثانية، وللقارئ أن يسأل: لماذا ليست الحرب الأولى؟

أما على مستوى الجسد الروائي، يلاحظ المدقق والقارئ على حدّ السواء في هذه الرواية أنه ثمة تفاعل حي بين البنية الروائية، والتي تظهر في بيئة الشخصيات وثقافتها، والبنية اللغوية التركيبية التي تظهر في تلك التراكيب اللغوية الناتجة عن الشخصيات، فاللغة هنا لا تمثل ملمحًا جماليًّا فنيًّا أو وعائيًّا لأفكار شخصيات الرواية، وإنما تمثل جزءًا من التكوين النفسي لهذه الشخصيات، وهو ما أسميه بالخلق الثاني داخل الرواية. وإذا كانت لغة السرد عند إبراهيم نصر الله تتميز بشكل عام بأنها تمتلك قدرة فائقة على الوصف الشديد، والاستغراق في وصف التفاصيل الصغيرة الدالة الملتصقة بالبنية الروائية، فإن اللغة التركيبية والسردية المعنوية في حرب الكلب الثانية تتجاوز هذا المعنى إلى معنى أعمق، وهو لغة الترميز الكاشفة عن البعد النفسي للشخصية البطلة، ولم تعد لغة محايدة أو مستقيلة، بل إنّها لغة تعرض التفاصيل أمام المتلقي، وعليه أن يقيم هذه التفاصيل، ومن ذلك موقف البطل الذي تحوّل من سياسي يؤمن بمبادئ معيّنة إلى شخص متطرّف وفاسد ويفعل كلّ شيء تحت شعار الغاية تبرّر الوسيلة، فلا صديق دائم، ولا عدوّ دائم، وعلى هذا قامت الرواية.

كما يأتي تشكّل الرمز اللغوي في الرواية مقيمًا لتيار الوعي الجمعي تارة، والفردي تارة أخرى، لكنّه وعي يجنح نحو البروز على سطح الرسم الفني للرواية أفقيًّا وعموديًّا. ويظهر هذا الوعي النفسي من خلال المادّة السيميائية المبثوثة في أفعال الهذيان، والكابوس، والسكر، والخصومات… إلخ، حتّى تصبح تلك الأفعال/ الرموز وسيلة لغاية واحدة، هي التحذير من الفناء. فما خوف البطل من المستقبل الذي يظهر له على شكل وطن فاسد إلا تعبير عن الخوف الدفين من الموت والنهاية والعدم. وجاء هذا الخوف في ثوب لغوي كاشف لفلسفة الهلاك عند جلّ الشخوص التي تنتمي إلى نمط الشخصية المثقفة، والتي تتقن الحوار والجدل ضمن لغة الحوار وحوار اللغة، فكانت لغة مراوغة تعتمد على الكنايات والتوريات، ناهيك عن المشترك اللفظي.

في الختام، يمكننا أن نقول بما يشبه الجزم إنّ من قرأ الرواية في معزل عن ظروفها سيجدها عادية نوعًا ما، لكن حين يعرف الوقت الذي كُتبت فيه، سيدرك أنها كانت شجاعة وجريئة في مواجهة الانحدار الإنساني، ويمكن عدها من الحالات النادرة التي ينجح فيه الأدب في إبراز نزعة الإنسان نحو الكلبية، ولهذا كانت: حرب الكلب الثانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد