عندما برز مفهوم الواقعية السحرية من خلال كتاب ما بعد التعبيرية : الواقعية السحرية للناقد الألماني فرانز رو، سرعان ما تفاعل معه الناقد الفنزويلي أوسلار بييتري ليعتمده منهجيا في نقد السرد اللاتيني وخصوصا الاسباني منه، ثم امتدت الواقعية السحرية في عالم أميركا اللاتينية في منتصف القرن العشرين مع أعمال الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز والأرجنتيني خورخي لويس بورخيس والتشيلية إيزابيل أيندي. ونستطيع القول بعد نتاجات هؤلاء أنّهم قد أرسوا دعائم هذا المفهوم، ورسخوا الهدف من الواقعية السحرية، ألا وهو التحكّم في الأضداد على مستوى فردي أو جماعي. وعلى الضفة الأخرى من العالم، قبالة البحر الأبيض المتوسط أطلّت الكاتبة التونسية نجيبة الهمامي ضمن مجموعتها القصصية ليلة رأس ميدوسا عن دار سؤال اللبنانية للنشر والتوزيع لتسهم في انتاج مادّة سردية محبوكة ووفية لمدرسة الواقعية السحرية.

في معرض حديثنا عن اتحاد الأضداد ،  قد يتراءى لنا – ونحن نتصفح ليلة رأس ميدوسا – هذا الاتحاد متناقضًا في الظاهر، فنجيبة حاولت أن تنسج معالم اللعبة السردية داخل مدرسة الواقعية السحرية من خلال تناقضات ميتافيزيقية كالحياة والموت، أو تقابل كرونولوجي كالماضي البعيد أو القريب في مقابل الحاضر بما هو بوابة المستقبل. فعنوان المجموعة علو نحو ما يصف رولان بارط بعتبة النص أو واجهة المحل، نجد الحضور القوي للأسطورة والميثيولوجيا من خلال ميدوسا، وحسب الموروث الأسطوري الإغريقي، ميدوسا كانت في البدء بنتًا جميلة، غير أنها مارست الجنس مع بوسيدون في معبد أثينا وهذا ماجعلها تغضب، فحولت ميدوسا إلى امرأة بشعة المظهر كما حولت شعرها إلى ثعابين، وكان كل من ينظر إلى عينيها يتحول إلى حجر.

وبما أن ميدوسا كانت قابلة للموت، فقد تمكن برسيوس بمساعدة هرمس، حسب الميثولوجيا الإغريقية، من القضاء عليها وقطع رأسها لما نظر إلى صورة انعكاسها في درع آثينا، وأهدى رأسها لأثينا التي كانت قد ساعدته وقامت بوضعه على درعها المسمى بالإيغيس. أما على مستوى الأقاصيص الواقعة في المجموعة فقد اتسمت بسلاسة أسلوبية قامت على  وجهتي نظر متعارضتين، تعتمد الأولى على رؤية عقلانية للواقع ومتصالحة معه إلى حدّ كبير، بينما قامت الرؤية الثانية على قبول الخوارق كحقيقة معتادة مجردة من الخيال وتدخّل العقل في إنتاج العجائبي من خلال تمكّن نجيبة من المسك بزمام المبادرة في مجموعتها، إذ لم تترك فرصة لفجوة سردية تسحب المجموعة إلى فجوة الواقع أو توثقها إلى وتد الخيال.

وقد اقترنت جلّ الأقاصيص بالصيغ البدائية أو العقلية للواقعية السحرية كما شهدتها المدرسة السردية الهندية في ثمانينات القرن العشرين. فنصوص نجيبة تتدبر ثمّ تخلق شخصيات تبدو لنا أنّ بطولتها من ورق، ولكنّها تفاجئنا بقدرتها على إعادة صياغة الواقع المتخيّل والخيال الوقعي في تقنية قصصية ومشهدية متماسكة الأركان والجوانب. كما أنها تشدّ القارئ إلى عالم تتشكل هويته عن طريق السرد والميتاسرد والتمكّن من تقنيات الواقعية السحرية، فنجيبة الهمامي تعيد خلق لمحات من عهد زمني معيّن، عهد ينبثق من سلسلة عناصر سحرية تتحول ملونة بالفانتازيا عالمية النبرة كلما تنفض الأقاصيص في ليلة رأس ميدوسا ذلك الغبار المتمثل في الاستهلال السردي الذي يوقع القارئ في التقريرية، ثمّ في محصّلة ذلك بانورما مزعجة ومملة.

في الختام، أجد أنّ مجموعة نجيبة الهمامي القصصية ليلة رأس ميدوسا قد اتفقت مع ما ذهب إليه الكاتب الإسباني راي فيرزاسكوني عندما عرف الواقعية السحرية بأنها تعبير عن واقع العالم الجديد، عالم يجمع بين العوامل العقلانية المميزة للحضارة الإنسانية السامية، والعوامل غير العقلانية المميزة للبدائية. ولكن وجبت الإشارة هنا كشيء من التحقيق الأكاديمي، بصفتي باحث في الحضارة العربية ومهتم بالأدب العالمي، إلى ضرورة التمييز بين الواقعية السحرية والفانتازيا الكلاسيكية، فهذه الأخيرة تدفع بالأحداث إلى أن تقع في عالم حديث اعتيادي لا يخلو من وصف فعلي للبشر والمجتمع، بينما تسعى الواقعية السحرية حسب الناقد الإسباني الإسباني أنخيل فلوريس إلى الدمج بين الواقعي والفانتازي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, قصة, نقد
عرض التعليقات
تحميل المزيد