قال اللاهوتي طوماس الإكويني في معرض حديثه عن العلاقة الناسوتية-اللاهوتية: حرية إيمانك بالرب من عدمها هي في حدّ ذاتها إيمان. وليس بعيدًا عن هذه الفلسفة الإبستمولوجية يطرح القرآن الكتاب المقدّس عند المسلمين رؤية كوسمولوجية راقية في ضبط الميكانزم الاجتماعي ألا وهي حرية الإيمان، ولعلّ أشهر آية تدعم هذا الرأي قول الله: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. هذه المشيئة التي تركها الله للإنسان في الإيمان به من عدمها تترك المؤمن والملحد كليهما في نفس المركبة، ولكن مع اختلاف بسيط كون الملحد لا يصدّق البعد الروحي في المسألة ولا يعترف سوى بالجانب الديلكتيكي المادّي. وفي هذا المقال سنحاول التعرّض لمسألة الإلحاد في عالمنا العربي بين العلم والدين انتهاء إلى أطروحة مفادها، الإلحاد هو أسهل طريق لاغتيال العقل.

في البداية، نطرح سؤالا جوهريًّا: على ماذا يقوم الفكر الإلحادي؟ الإجابة وببساطة يقوم الفكر الإلحادي على الاستدلال والتحليل العلمي للأمور، ولذلك لا تخلو كتابات الملحدين من الأدلة العلمية والحقائق المثبتة باعتبارها وسيلة لإثبات فكرة ما. ولعلّ أهمّ مسألة تثير جمهور الملحدين: هي من خالق هذا الكون؟ فالملحد ينكر وجود الإله الخالق الواحد مع أنه يؤمن بأن الأكوان المُتعددة خالقة لنفسها والكون خالق نفسه، وكلّ هذه العشوائية خلقت الصدفة والطبيعة خلقت الحياة.

فالملحد يصدّق نظرية الانتخاب الطبيعي «الناتشر اليكشن» وهي نظرية جاءت بها الفلسفة الداروينية بشقّيها الكلاسيكي والحديث، لكنّها سقطت سقوطًا مدوّيًا تحت أظافر الديك الرومي، هذا الطائر الرامز للنرجسية قد ضرب الداروينية في مقتل حيث لم تجد له أصل خلق كما فعلت مع باقي المخلوقات وعلى رأسها الانسان حيث قالت الداروينية الكلاسيكية إنّ الإنسان أصله قرد، ولمّا تبيّن زيف هذه النظرية جاءت الداروينية الحديثة لتحاول تغطية هذه الهزيمة بقولها: بل نقصد ينحدر من سلالة تشبه سلالة القرد وليس من أصل القردة. ولعلّ المفارقة كون السواد الأعظم من الملاحدة يقدّسون الكتاب المقدّس للهندوس «الأفيدا» ويعترضون على باقي الكتب المقدّسة بتعلّة أنّها ملفّقة وليست من ربّ.

وهنا يستحضرني حادثة طريفة حصلت مع أبي حنيفة في حواره مع بعض الملاحدة الذين يتبنون نظرية الصدفة، حيث جاءهم عن الموعد متأخّرًا وقد تعمّد ذلك فلمّا استنكروا عليه هذا التأخير قال لهم:  معذرة، لقد انتظرت طويلا ولم أجد مركبا آتيكم عليها، ثم نزلت خشبة من السماء وصادفت خشبة في النهر وحضرت مطرقة ومسامير ودسرا وضرب بعضها ببعض، ونزل من السماء طلاء وزيت وفرش حتى اكتمل هذا القارب، فجئتكم متأخرًا. وكان يعني قانون الصدفة الذي يؤمن به الملاحدة، فقالوا له: أتسخر منا يا رجل كيف يكون مركب بلا صانع؟ فأجاب: وكيف يكون إذًا هذا الكون العظيم بلا خالق؟

ولو سلّمنا بنظرية الصدفة وهي حسب علم الميكروبولوجيا تقوم على معادلة دقيقة جدًّا «1 مقسوم على 10 أس 64»، هذا يعني حسب الملاحدة أنفسهم أنّه عندما يصعد x في طائرة من اليابان على ارتفاع 1000 متر فوق سطح الأرض ثمّ يلقي عملة نقدية من منطقة ما في السماء، ما مدى توافق سقوط تلك العملة على إصبع الإبهام للشخص y القاطن في باريس؟ طبعًا هذا يبدو مستحيلًا، وربّما تحتاج لمليارات المحاولات حتى تتمكن هذه «الصدفة» المزعومة من ضبط المسألة. ولو عجزت صدفة الملاحدة عن إيصال هذه العملة إلى الإصبع فكيف سنثق في تسييرها لكون شاسع ومعقّد كلّ شيء يجري فيه بحساب دقيق. فاحتمال تحقق هذه المعجزة يبلغ أكثر من ضعف احتمال نشوء خلية من العدم صدفة دون خالق. وهنا يكون الملحد في طريق مفتوحة لاغتيال عقله.

في الختام، ولعلّها طرفة أقرب إلى الحادثة، لا يؤمن الملحد بوجود ذات الله الفردانية في خلق الكون من خلال عقله، لكنّه يؤمن بأنّ العقل مسيّر للجسد، ومن يسيّر العقل إذن؟ سيجيب «أنا» ومن خلق هذه الأنا؟ فهل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد