كان يجب أن تفتني بها منذ البداية، فتاء التأنيث الأنيقة المنتصبة على حافتها تضفي عليها رونقـًا نسائيًا خاصًا لن تجيدي مراوغته ولا تجاهله.

كان لا بد لروح الفلسفة أن تتلبسك حد التوحد وإياها فتصيرا خلقًا واحدًا، رغمًا عن أنف سقراط الذي ازدراك ونسي كيف علمته إسبازيا البيان والخطابة، وتغافل عن ديوتيما التي لقنته في محاورة المأدبة كيف يكون الحب.

كان يجمل بك أن تتجلدي عندما تقرئين حنق أفلاطون وأسفه لكونه ابن امرأة، وتتحملي صفعة المعلم الأول حينما قال: إن «جنس الذكر أصلح للرئاسة من جنس الأنثى؛ لذلك فتسلط الرجال على النساء أمر طبيعي»، وتكابري حينما تجدين صدى قوله هذا مسموعًا لدى معظم من تفلسف بعده؛ فلا يحسن بواضع الأرغانون، على كل حال، أن يقول إلا صوابًا، كان عليك أيضًا أن تصمي آذانك عن نيتشه عندما لخص غايتك في الحياة في وضع طفل، وكانط عندما استثناك من السمو ووصفك بالدونية، وتتعامي عن حملة شوبنهاور الشعواء لشيطنتك، وروسو الذي عدك وسيلة للعب ولتحقيق رغبات الرجال. آه من روسو، أكان حريًا بمعلم التربية ومنظر عصر التنوير أن يقول كل ذلك؟

أجل، كان عليك أن تتجاهلي كل ما قيل وما سيقال، عندما ينتصب أمامك ذلك الحشد البهي الذي أُريد له أن يكون على هامش العقل والفلسفة والتاريخ فأبى أن يخضع لذلك، تتقدمه أرستوكلي- فيلسوفة ما قبل سقراط- وإسبيشيا المالطية، وأريتا القونية، وهيبريشيا، والفيلسوفة الأبيقورية لونتن وديوتيما، وإسبازيا، عندما يلوح لك جسد هيباثيا فيلسوفة الإسكندرية الجميل وقد ضحت به قربانًا في سبيل الفلسفة، كان على كرافت، وحنة آرنت، ودي بوفوار، وكريستيفا، أن ينسينك كل ما قيل وما يقال عن عقلك، وينقلن فكرة قدرتك على التفكير والإبداع من مستواها النظري، ويجسدنها أمامك فعليًا، فتصدقينها فعلاً كما كانت تخطر لك فكرًا.

خليق بك أن تتجاسري وحولك كل هؤلاء النسوة العظيمات، وتلجي حضرة الفلسفة، وتخوضي لجتها عودة للذات، وسبرًا لأغوارها؛ لتتأكدي أنك تجيدين توليد الفكر، وأنك قادرة على الوفاء بشروط التفلسف، ولن يخامرك التردد والشك بعد ذلك، فلن تطيقي نظرات التأنيب والحسرة التي سيرمقنك بها إن فعلت ذلك.

لزمك أن تخوضي مغامرة التفلسف الوعرة، كفعل تحرر ذاتي وتجربة وجودية ومعرفية، شرطها الأساس الحرية؛ فهي لا تجوز بالوكالة بل على صاحبها أن يقتحم عقبتها بنفسه متجردًا من كل شيء خلا عقله، ويتجاسر على التفتيش في حيز الراحة الفكرية لديه؛ فينفض الغبار عن عقله الذي أتخمته الأجوبة حتى استقال، ثم إنها فعل تحرر متعد إلى الانفلات من سطوة التاريخ وسلطته الذي أبصر كل فكر نسائي من كوة ضيقة فأخفاه، أو حشره في زاوية الملكية الخاصة. إنها تحرر من ربقة المجتمع الذي شذب أجنحة تفكيرك بعناية حتى نسيت كيف تتطلعين إلى الأفق.

كان لزامًا، رغم كل شيء، أن تتفلسفي إشفاقـًا على النوع الإنساني الذي تنتمين إليه، والذي لطالما حصروه في الرجل تشريفـًا، واستثنوك منه تنزيهًا، وترثي لحاله كشأن الأمهات، وتثبتي له أن نصفه الذي لطالما اشتكى وتبرم منه وعير به، قادر على توليد الفكر والوفاء بشروط التفلسف والتعقل، فيرتفع بك بعدما سفل بإقصائك.

كان حريًا بك أن تتفلسفي؛ لأن تاء الفلسفة تمدك بصلة خاصة استثنائية لم ولن يملكها غيرك، فتصدقي روح ثيانو الجامحة حينما قالت: «لأن تكوني امرأة على ظهر جواد جامح خير لك من أن تكوني امرأة لا تفكر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاء, فكر, فلسفة, نساء
عرض التعليقات
تحميل المزيد