جميل فتحي الهمامي 14
جميل فتحي الهمامي 14

تجمع كلّ الدراسات في التاريخ الأدبي الشعري على أنّ الشعراء العرب قد أمضوا على أسمائهم من خلال القصائد الطويلة والتي قد تتجاوز أبياتها أحيانًا المائة بيت. ناهيك عن المعلقات والمطولات والحوليات، لكن في جانب آخر حضرت قصيدة البيت الواحد أو البيتين أو الثلاثة، وصولًا إلى الأربعة أبيات التي استجاب لها النقّاد في النهاية ومنحوها تأشيرة لتجنيس نفسها، فكانت جنسًا أدبيًا مستقلًا بذاته نعرفه إلى حدّ اليوم باسم الرباعيات، وفي هذا الإطار استطاع الشاعر والكاتب ورئيس اتّحاد الكتّاب في مدينة صفاقس التونسية محمد بن جماعة أن يؤثّث بيته الشعري برباعيات فيها من الجمالية والصنعة الشعرية الكثير، حتّى غدا مشروعًا شعريًا واعدًا داخل مدوّنة ما اصطلح على تسميته شعر الدفقة. لكن تماهي روح الكاتب في الواقع المسخوط عليه قد ألحق بقصائده شيئًا من القلق والضجر، وفي هذا المقال سنتعرّض لجمالية الضجر في شعر محمد بن جماعة.

تومض قصائد محمد بن جماعة القصيرة في فضاء الذكرة المجتمعية أي أنّها كتابة من خارج الحدود النثرية، لكنّها تعود إليه في النهاية مثقلة بهاجس من الخيال والحبّ والوجع والضجر، تعود متعبة ومبعثرة، ثمّ تدعو القارئ ليقوم بفعل ترتيبها. إنّها تبرق وتومض في سرعة شعرية هادئة ثمّ تتشكّل كلبنة لا تصلح للبناء ولكنّها تصلح لسدّ الفجوات، فجوات هذا الواقع المترهل والذي يمدّ خيط خيباته في الحياة المجتمعية، فيتلقّفه الشاعر ثمّ يمارس عليه لعبة الانعكاس الشرطي أو ما يسميه خبراء وعلماء النفس بالمادّة المحفّز على سيلان اللعاب على نحو ما وصفه بافلوف. إنّ جمالية الضجر في قصائد محمد بن جماعة لا تخضع لفلسفة الكلام أو ما تعارف عليه النقّاد وباركه المنطق اللغوي الشعري. إنّ لغة الضجر في الومضات الشعرية عند بن جماعة أبعد من قصيدة الغاية منها تركيز المعاني والأفكار بين طرفين أو أكثر. إنّ الشاعر لا يهب قصائده لأحد على الرغم من بيان خدعة التوجيه التي تكتسيها قصائده، لكنّها تظلّ خدعة تعود نشأتها إلى الذاكرة، يقول في إحدى ومضاته:

  • في القلب عادات
  • تخون اللغة
  • أنا في القول
  • لا أجيد البوح الكامل
  • أنا منقوص في الحضور

إنّه لا يكتب لأحد، يعيش غيابه لوحده ويشهد حضوره لوحده. فهو يمارس لعبة الكتابة كما يدخل الحائك الخيط الرفيع في ثقب الإبرة. فهو لا يستحضر المتلقي أثناء الكتابة ولو وجّه كلامه له، فجمالية الضجر لديه تكمن في هذه الزاوية. فشاعرنا عندما يذكر المتلقي في لحظة الكتابة، ما هو سوى استحضار من قيود الإبداع وإبداع القيود ،فشاعرنا لا يبدو أنّه لا يخشى سؤال: لماذا تكتب لنفسك؟! فهذا السؤال لا يستنكف منه وهو القائل في ومضة أخرى:

  •  أعرف الحلوى
  • وتعرفين الدمية

ولو توقّعنا طرح السؤال عليه فإنّه حتمًا سيجيب أنّه من أراد الشعر فليمتط حصان لغة. إنّ جمالية الضجر عند شاعرنا تظهر أيضًا من خلال لعبة التجلّي والتخفّي في ومضاته، ففيها يغلب السواد على البياض. على الرغم من كونها ومضة أي أنّها قصيرة، ولسائل أن يسأل كيف ينتصر السواد في قصيدة قصيرة تظلّ المساحة البيضاء فيها شاسعة؟ نجيب كون الومضة عند محمد بن جماعة تخضع لقانون لعبة البناء مع لغته الشعرية، فالضجر الشعري هو ممارسة طقوس اللغة في مساحة البياض داخل القصيدة، إذن هي  شطحة الصوفية.

في الختام، وبين الطول والقصر، هذه المعركة النقدية التي شابت جزءًا غير يسير من حقل النقد الشعري، أستحضر مقولة نزار قبّاني في مقدّمة ديوانه كتاب الحبّ حيث قال: الثرثرة الشعرية هي فجيعة شعرنا العربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك