عندما كتب الشاعر وليد الزريبي ما يشبه الوصية وهو على فراش المرض يوم 16 مايو (أيار) 2016، قال إنّه يريد اللجوء كحلّ أخير. واللجوء في عرف الشعراء سنّة مؤكدة، فذات يوم انتهت حياة الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السيّاب، وهو في الكويت. فبين المنفى والملجأ يكمن انسان الشاعر الذي لا يعترف بالمكان ولا بالزمان، فالشاعر بنيّ الأرض، والأنبياء يصلحون لكلّ زمان ومكان.

فيما أعلمه عن الشاعر وليد الزريبي إنّه أسد هضم فرائسه على مهل، وبلغت هذه الفرائس أكثر من عشرين كتابًا أصدرها بين الشعر والنثر والرواية والحوارات الصحافية، ومما قرأت له (ليه يا بنفسج) و(كاميكاز)، لكن ظلّ ديوان (ترامادول) الأكثر تأثيرًا في تكويني النقدي لما اتقيت فيه من انصهار الذاتي والموضوعي.

فالشاعر قال في ما يشبه الاعتراف الكنائسي أنّه كان مدمنًا على الترامادول، وهو أحد أسباب تدهور صحّته، وكأنّنا بسخرية القدر لا تقنص إلاّ الشعراء، فمظفّر النواب يرقد هناك، وبالأمس وليد الزريبي واليوم المنصف المزغني، ولكن في ظلّ هذا الوجع الصامت، نجد أنّه من الباقيات الصالحات التي يختلسها المرء من بين أنياب الزمن، أن يطالع كتابًا جيدًا فريدًا في بابه وزمانه، يشعر فيه المرء بعرق صاحبه ويتلمس فيه جهده. ترامادول للشاعر وليد الزريبي دواء حقيقي، ليس في عالم الصيدلية فحسب، بل حتّى في الوسط الشعري.

فحينما نتابع كقرّاء وناقدين تشكّل وتطوّر القصيدة العربية في ثنائية الشكل والمضمون، لا يجب من منطوق علمي نقدي أن نسقط في شراك الرؤية الرومانسية للموروث الشعري، كما أنّنا في المقابل لسنا مع الدعوة إلى القطع الجذري مع التراث الشعري والمدوّنة الشعرية العربية. تلك إذن دعوة ضيزى، ولكنّنا لا نوافق من وجهة نظر أكاديمية على الدعوة التي ينتصر لها المغالون في الحداثة، شعراء كانوا أم نقادًا.

فالشاعر الذي عايش المرض والتقى معه وجهًا لوجه لينتصر عليه تاره وينهزم أمامه تارة أخرى قد ولّد من ترامادوله مفاهيم عدّة، فكما يفعل القرص في الجسد فعلت القصيدة في العقل. فكانت مفاهيم متعلقة بتحديث العقل، وتطوّر الفكر، وانسيابية الرؤى، ديناميكية البحث والانكفاء  المنبعثة أساسًا من فكرة التحول القائم على الإبداع، والكشف المستمر عن طرقٍ شعرية جديدةٍ، و مبتكرة ٍللتعبير. فالشاعر قد حقن قصائده بتمثّلات إنتروبولوجية غيّرت المفهوم الثابت لشكل القصيدة اليقينية وما يشوبها من مضامين تاريخية ومعرفية تشكّل بانوراما مزعجة أحيانًا. فالشاعر استعار من المعتزلة مفهوم المنزلة بين المنزلتين، فلم يدعو لا إلى السير على خطا لأشكال الشعرية التقليدية، ولا إلى استهلاك القصيدة التجريبية، بل شكّل قصائده وفق تلازمية عصابية انصهر فيها الذاتي بالموضوعي.

قد يتبادر لذهن قرّاء هذا المقال أنّنا نحاول تبويب ديوان ترامادل للشاعر وليد الزريبي بين التقليدي والحداثي، ولكن الفهم البدائي للحداثة، لا يسمن الشعراء ولا يغنيهم من جوع. ولنا أن نتساءل في ديوان ترامادول مثلًا عن أسس الحداثة في الشعر من خلال القصائد التي شكّلته؟ ولعلّنا هنا نجيب بما قاله أدونيس في كتابه (زمن الشعر): يمكن اختصار معنى الحداثة بأنه التوكيد المطلق على أولية التعبير، أعني أن طريقة أو كيفية القول أكثر أهمية من الشيء المقول، وأن شعرية القصيدة، أو فنيتها هي في بنيتها لا في وظيفتها. فحسب رأينا تعود قصائد وليد الزريبي إلى هاجس التعبير وماهيته المرتكزة أوّلًا على بنيوية القول والمشافهة، ناهيك عن المعنى الكامن فيها. فقصائد شاعرنا لا تحمل وظيفة أخلاقية محددة، أو دعوة تبليغية، أو بنية أيديولوجية، الشعر عنده – كما بدا لنا – حاجة (استيتيقة) بحتة.

ختامًا لطالما كتب الشعراء عن إحدى ثلاث: العقيدة والقبيلة والغنيمة، لكنّ الشاعر وليد الزريبي كتب عن بعد رابع، ألا وهو القلق، قلق بشقّين، ذاتي واجتماعي. فيبدو أنّ قلقًا مربكًا ينتاب الشاعر أثناء تأمّله للظواهر الكونية التي يسعى للتعبير عنها، ولا يجب لهذا القلق أن يهدأ، كما يجب لهذا الشاعر ألّا يحيا هنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد