تناولت وسائل الإعلام الغربية، وخصوصًا الفرنسية، وبعض من وسائل الإعلام العربية خبر اعتقال المفكر السويسري ذي الأصول المصرية الدكتور طارق رمضان، بتهمة اغتصاب سيّدتين، بكثير من الانحياز وغياب الحيادية، من تبنّي وجهة نظر المدّعيتين وإدانة شخص ما يزال متمتعًا بقرينة البراءة، وتغييب وجهات نظر المساندين للدكتور من أصدقائه أو تلامذته أو عائلته، وخصوصًا زوجته، بل التكتّم على معلومات ومستجدّات تمثل قرائن براءة بتعلّة عدم التدخل في شؤون القضاء، مع أنّهم هم من أصدروا أحكامهم قبل أن يقول القضاء كلمته.

إنّ المتتبع لمنابرهم الإعلامية التي تطرّقت إلى الموضوع الّذي تصدّر نشراتهم الإخبارية، يستطيع أن يميز نبرة الشماتة والتشفي والاحتفاء بحدث ما زال بحاجة إلى تأكيد.

فلم يا ترى كل هذا التجني واستهداف شخص الدكتور طارق رمضان تحديدًا؟

من هو السيد طارق رمضان؟

طارق رمضان هو مواطن سويسري من مواليد 26 أغسطس (آب) 1962 بجينيف، أبوه سعيد رمضان أحد قيادات الإخوان المسلمين الذي لجأ إلى سويسرا خلال فترة حكم عبد النّاصر، وأمّه وفاء البنّا ابنة حسن البنّا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين.

ولد طارق رمضان بجينيف وترعرع وتعلّم فيها، وهو يحمل الإجازة في سبعة تخصّصات ودرجة الماجستير في الفلسفة والأدب الفرنسي، ودرجة الدكتوراه في اللغة العربيّة والدراسات الإسلامية من جامعة جينيف «أطروحة الدكتوراه كانت حول فريديريك نيتشه: بعنوان نيتشه مؤرّخا للفلسفة» وقد عمل أستاذًا محاضرًا في جامعات أكسفورد، وفريبورغ، وكيوتو باليابان، وجامعة ماليزيا، وجامعة قطر، وهو إلى جانب ذلك مستشار للبرلمان الأوروبي في القضايا الدينية، ومدير المعهد الإسلامي للتدريب والأخلاقيات في باريس، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

طارق رمضان يتكلّم بطلاقة ثلاث لغات، وخصوصًا الفرنسية، ممّا أهله يكون ضيفًا للعديد من المنابر الإعلامية الفرنكفونية، وكان دومًا حضوره مميزًا مؤثرًا، إن لم نقل مثيرًا للجدل ممّا جعل بعضهم يتحدّث عن ظاهرة طارق رمضان الصّاعدة ويتوجّس منها مطالبين بمواجهتها.

طارق رمضان كتب أكثر من 40 مؤلفًا، كانت موضوعاتها مزيجًا من الفلسفة والروحانيات، وحوار الأديان، والتجديد الإسلامي، وقضايا المسلمين في الغرب، وهو يصنّف أكثر القيادات الإسلامية في أوروبا وأكثر الشخصيات المؤثرة فيها:

إذ صنفته مجلة التّايم الأمريكية (سنة 2000) واحدًا من بين سبعة مفكرين مجددين ومبتكرين في القرن الواحد والعشرين.

اختارته مجلّة التايم الأمريكية (سنة 2004) من أكثر 100 شخص مؤثر في العالم وجاء في المرتبة الثامنة.

اختارته مجلّة فورين بوليسي الأمريكية ومجلة بروسبكت البريطانية (سنوات: 2005، 2008، 2009، 2010، 2012، 2013) من بين أكثر 100 مفكر مؤثّر في العالم.

اختارته مجلّة أوروبيان فويس البلجيكية (سنة 2006) أوروبي السنة.

تحصّل على جائزة الامتياز من قبل المجلّة البريطانية ذو مسلم نيوز (سنة 2007).

جاء في المرتبة 51 من بين 100 مفكر الأكثر تأثيرًا في العالم من قبل غلوبال ثينكرز (سنة 2014).

في المحصّلة سيرة ذاتية غنية جدًّا، حافلة بالنّجاحات الباهرة ومسيرة استثنائية، حضور لافت ومميز إعلاميًّا وأكاديميًّا، وقدوة قد تحقّقت، قد يكون مثالًا لغيره ممّا استثار كهنة وحرّاس معبد المركزية الثقافية الغربية، التي تتظاهر بقبول المختلف الآخر، لكنّها لم تتخل عن نظرتها الدونية له والوصاية الفوقية عليه.

الحملة الإعلامية على طارق رمضان ليست وليدة اللّحظة، بل هي تعود إلى سنوات منذ أن سطع نجمه وهي شديدة ومحتدمة، خصوصًا في فرنسا، إذ تقودها الكاتبة الفرنسية «كارولين فوريست»، والتي تصر على أنّ رمضان يمثل واجهة للإسلام السياسي، وبالطبع سنجد من يصطف معها، كلّ من يستعدي هذا «الإسلام السّياسي» في بيئة تنامت فيها الإسلاموفوبيا والعنصريّة.

فالدكتور طارق رمضان المواطن السويسري الأكاديمي المفكّر المجدّد الأستاذ المحاضر في العديد من الجامعات المرموقة والعريقة في العالم، اختزل في كونه «إسلاميًّا» وحفيد البنّا وعضو الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين؛ فهو «إخواني» حتى وإن لم يعترف بذلك؛ فهو «جيني» كذلك، وتكفي تلك التهمة للزج به في غياهب السجن لسنوات، وللمطاردة، وربّما لحبل المشنقة في دول الفاشيات العربيّة الّتي اتّخذت منهج استعداء الإسلام السياسي الممثل أساسًا في فصيل الإخوان، والّتي ترى فيه خطرًا وجوديًّا ومنافسًا لها على سلطة تريد أن تحتكرها، أما في الدول الأوربية، حيث علوية القانون والمؤسسات والمواطنة التي يتمتّع بها طارق رمضان وتحميه من تعسّف الإخوة في الدين والاصل وظلمهم، فيمكن البحث له عن تهمة، وليس أفضل من كيد النساء!

فالسّيدة التونسية هند عيّاري، وهي سلفيّة سابقة «تحرّرت» و«تعلمنت» وصارت ناشطة نسويّة، اتّهمت رمضان باغتصابها داخل فندق في باريس في 2012، مع العلم بأنّه بعد عامين من الواقعة المفترضة بادر حساب فيسبوكي يحمل اسمها بمحاولة إغواء «الإسلامي» السويسري الّذي تجاهل الأمر. «حسب فرنس24 الفرنسية».

أما المدعية الثانية السيدة كريستين التي تتهمه بتعنيفها وإذلالها واغتصابها في 2009 وحدّدت المكان والتوقيت، ثبت عدم وجود طارق رمضان في مكان الحادث حين وقوعه، ولديه دليل إثبات يتمثّل في تذكرة طيران، والغريب هو محاولة إخفاء هذا الدليل القوي، بالرغم من إرساله من طرف محاميي رمضان: ياسين بورزو وجولي جرانيه «حسب صحيفة لوباريزيان الفرنسية».

ولعل اسم المحامي الشهير ياسين بوزرو يذكّرنا بالقضيّة المفتعلة ضدّ رجل الأعمال القطري الناجح ناصر الخليفة، وما أثير حوله من شبهة الفساد المالي، وثبت للجميع من كان وراءها، واتّضح أنها في إطار الحرب المستعرة التي أعلنتها قوى الاستبداد ضدّ قطر؛ لمناصرتها لثورات الرّبيع العربي ولوقوفها إلى جانب الشّعوب عندما أرادت الاستنهاض.

من يحاكم طارق رمضان اليوم هي أوروبا المنغلقة المتقوقعة المتوجسة من وهم خطر الإسلام الداهم، المصابة بإنفلونزا الإسلاموفوبيا، والتي ترى في نموذج طارق رمضان قدوة قد يستقطب غيره من الأفراد بما يقدّمه من طرح مستساغ وقادر على الإقناع: إسلام حيّ يتنفس قادر على النمو وخصوصًا التأقلم، إسلام يفكّر ويبني ويساهم في الحضارة الإنسانية.

من يحاكم طارق رمضان من وراء الستار، هم أيضًا كل قوى الاستبداد والرجعية العربية التي ترى فيه ممثلًا للإخوان المسلمين وللإسلام السّياسي بصفة عامّة، باعتبار أن لا سياسة في الإسلام، مع أنّهم يستبدّون باسمه ويقدّمون نسخة مشوّهة عنه: إسلام ميّت بلا روح ولا عقل، منفّر خارج سياق الحضارة والتّاريخ. إسلام طقوسي منفصل عن الواقع، أقصى ما يتناوله مشاكل الحيض ونواقض الوضوء ونكاح البهائم والميتة!

هي تهمة كيدية، أكاد أجزم بذلك، وستثبت الأيام ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد