لا يختلف اثنان اليوم على دور ومركزية العمل الجمعوي في أي بناء اجتماعي أو اقتصادي كان. فالجمعيات الفاعلة في الساحة الوطنية الجزائرية، كانت سابقًا تستهوي الشباب من مختلف أطياف المجتمع ومن مختلف الفئات العمرية، باعتبار أن هاته الأخيرة تقترب من قضاياهم ومشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية بصورة ملموسة، مما يساعدها على التأثير في واقعهم ويخول لها تأطيرهم وتمكينهم ،فضلًا عن هذا فإنها ملمة بمجموعة من القضايا كالتشغيل والبطالة والتعليم والصحة، وأكثر فهما لخصوصية الشباب وميولاته المتنوعة. فانخراط هاته الفئة في الجمعيات والعمل داخل هيئات المجتمع المدني يخول لها، المشاركة في تدبير الشأن العام وإنما بشكل غير مباشر. من خلال المساهمة في تطوير المجتمع ودعم التنمية، والمساهمة في محاربة الظواهر الاجتماعية السلبية.

ويأتي كل هذا سعيًا من الشباب إلى خدمة الوطن من هذا المنبر التطوعي، بحكم أن بقية المنابر وعلى رأسها السياسة تتهرب منها النخبة الشابة لعدة اعتبارات منها أن الممارسة السياسية والنقابية اقترنت بمفهوم الريع والمصالح، كما أن التغيير لا يتم وفق الطرق الديمقراطية الشرعية، بل يتم عبر التزوير وشراء الذمم ما جعل الممارسة السياسية تدخل في خانة التهم، وما أزَّم هذا الوضع هو الصراعات والانشقاقات التي تطال الأحزاب السياسية. وهناك سبب آخر ألا وهو عدم الثقة في بنية العملية السياسة وفي مكوناتها ومخرجاتها، فالمواطن اليوم أو الشاب لا يعبر عن موقفه السياسي بسبب أنه يرى أن العملية السياسية ومخرجاتها لا تصب في مصلحته وأنه لا يستفيد منها شيئًا، ذلك خلق انطباعًا عامًا بعدم أهمية المشاركة وهو الانطباع أو الإحساس الذي يزكيه مشايخ الساسة، لأنه يضمن لهم البقاء في مناصبهم والاستفادة منها لأكبر فترة ممكنة. كل هاته العوامل جعلت الشباب يعزف عن الممارسة السياسية ويتجه لخدمة الصالح العام من بوابة العمل الجمعوي.

يضن البعض أن بإمكانه تجاهل السياسة، لك أن تترك السياسة وشأنها لكن السياسة لن تتركك أبدًا. هذا هو حال المجتمع المدني اليوم في الجزائر، فبعد أن جرى إدراجه مؤخرًا بصفته شريكًا في العملية السياسة يطبل في المحافل والحملات الانتخابية يروج لتعديل الدستور ويزكي القرارات السياسة التي لا صلة له بها ولا يفقه فيها شيئًا، بل وصلت الدناءة بالبعض إلى شراء أصوات المحتاجين والفقراء والمساكين لبعض رجال الساسة أو الأحزاب، المحسوبين أنهم أتباعهم بالصدقات التي منوا بها عليهم. فالسياسة وطأت كل عمل ووصلت لكل مجال إذن إلى أين يلجأ شبابنا لتقديم يد العون للوطن، من أي منبر يساعدون في بناء الجزائر الجديدة بعد أن دنست سياستكم كل طريق؟ في وقت كان جديرًا بكم أن تنصوا على قوانين تمنع كل من تخول له نفسه استعمال الجمعيات والنوادي للمصالح السياسة والأمور الشخصية، ها أنتم اليوم تلوثون منفذ الشباب الوحيد بألاعيبكم السياسية لتعمروا أكبر وقت ممكن في مناصبكم.

إلا أن المسؤولية تبقى مشتركة بين النظام الجزائري، وبين من فضل ركوب موجة العمل التطوعي من أجل المصلحة الخاصة وفضل بيع نفسه ومبادئه وقيمه على الترفع على مثل هكذا ممارسات. وفي الأخير أقول إن معالجة الرهانات والتحديات المطروحة على وطننا اليوم، لن تأتي إلا بفعل سياسي قوي وديمقراطي يكون الشباب من خلاله فاعلًا رئيسيًّا حقيقيًّا ومباشرًا. مما يحتم على كل الفاعلين رسم سياسات وخطط متوسطة وطويلة تكون محصلتها، وضع الشباب في سياقهم المجتمعي الصحيح قوةً مغيرة رئيسية وليست وسيلة تُستخدم سلمًا يرتقي به الفاسدون إلى المناصب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد