هل سيسمي الرئيس خلفه؟ ربما المعنى الأقرب لما تشهده الساحة السياسية الجزائرية على بوابات الانتخابات الرئاسية القريبة، والقريبة جدًا.

أكاد أجزم أن الجزائريين جميعًا يكادون يتفقون على هذا المعنى المجازي، أو الجملة المفتاح، على أن الرئيس القادم ليس إلا واحد ممن سيسميهم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ضمن كوكبة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.

والعالم السياسي في الألفية الأخيرة عرف أنماطًا مماثلة لما تتضمنه هذه المقالة، على مقاسات دول شرقية كبرى أين يسمى الفريق الرئاسي خلفًا.

ثم إن الإجراءات الدستورية والقانونية الأخرى، كمباشرة الاقتراع الانتخابي، وما يتضمنه من أسماء تنافسية تبقي كل شيء على قواعده الديمقراطية، فقه الفكرة أنه لا تسلم أزمنة الإنجازات والموافقات، بما لها وما عليها من نجاحات وإخفاقات إلى آخر جديد ربما سيستلزمه عقدان آخران من الزمن الجزائري لكي يقف متمكنًا في الشأن القيادي العام، هذا إن توافرت مقاسات وتوازنات.

قد يقال هذه تصفيقات لإرادة الشخص الواحد الحاكم؟ الجواب: لا أبدًا؛ لأن العالم لم يعد يقبل فكرة الشخص الواحد، لكنه أضحى عالمًا حرجًا بما فيه الكفاية على أن يخاطر مجددًا في دروب تأكله أكلًا، وإن فقه الإجماعات العميقة أضحت منهجًا قياديًّا، لا سيما وأن دولًا كانت تسمى «العالم الثالث» أضحت دولًا على أهبة الانقراض السياسي والسيادي رغم الغنى والثراء. فالصراع بات عموديًّا في هذه البلدان بين الإثنيات والأقليات والطوائف الدينية، وأرباب المال مما يسمون «رجال الأعمال»، والأهم أن كثيرًا من هذه البلدان خاصةً العربية منها ما تزال تتمسك بشعارات التأسيس الأولى مند أزمنة التحرر العربية. مما يجعل الأجيال الجديدة التي تملك تقييمًا مختلفًا للعديد من القضايا والاستراتيجيات تتشابك وتلك الرؤى القديمة، التي لم تحفظ كما يجب؛ بل أإن تدميرًا ذاتيًّا صب عليه صبًّا، علاوة على أعداء تقليديين، من «الإسلام السياسي»، و«البرجوازية الجشعة»، وكيان الشر «إسرائيل»، والظالمين.

بعض من مروره

لما استلم سنة 1999 مهامه، أضحى رئيسًا جديدًا مختلفًا، وبدا عشيتها منتظرًا بعد «حملة انتخابية» لم تشهد لها الجزائر السياسية الحديثة مثيلًا، للتذكير: حملته جابت ربوعًا امتلأت عن بكرة أبيها بما يقوله، وقد قال ما قال، وإن مقالته أبكت الجزائريين الذين التفوا حوله، كما لم يلتفوا حول رئيس من قبل. ومنذ ذلك التاريخ، بدا أيضًا رئيسًا استثنائيًّا بجرأة على القيادة التي أعلى أسسها في «حملته الانتخابية الرئاسية»، وبدا مختلفًا بكاريزما طاغية، وبلغة شعبية تمس العاطفي الجزائري.

كان ذلك الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، بخصوصية تاريخية حساسة، لأن التاريخ في الجزائر واحد من أنكى الجراحات التي ترفض أن تبرأ.

اعتلى منصبه رئيسًا بعد «عشرية حمراء» اختلطت بالإرهاب الإسلاموي إلى أشياء أخرى لم تسم بعد، فقد صار التاريخ الجزائري نفسه بعد قدومه آمنًا قليلًا، لما أبداه من قدرة مبهرة على الغوص التحليلي لما حدث، وفهم مكتمل لما كان يسمى «الحالة الجزائرية»، ولا غرو، فالرئيس عبد العزيز بوتفليقة أحد الأسماء التي صعدت على أهازيج قيام نوفمبري ما يزال باقيًا أثره، ومستديمًا صراخه.

وإنه على هذه المقاسات جاء مثلما «الفأل الطيب» فغمرت الخيرات، وبدت الخزينة الحكومية في أريحية مالية استثنائية؛ مما جعله ينطلق على مضمار «عهداته الأربعة» بروحية عالية في إعادة وجه للجزائر، كان يراد له أن يظل بشعًا.

وقد فعل، فأعاد الأماني والآمال، وأنشأ المواني والجامعات، وشق الطرق والممرات، وقلل من «أزمة سكن» كانت طاغية، وقلم أظافر ظالمين كثر، وأعلى حقوق المرأة، والأجراء، وذوي الاحتياجات، وكسر حصارًا اقتصاديًّا أبقى الناس مقترين في المأكل والمشرب والملبس، ووطد لحمة شعبه «بالمصالحة الوطنية» فأزال بها فوارق كادت تعصف بالنسيج الوطني، وأعاد حيوية في التفكير بما هو أفضل، حيوية كادت أن تموت في «العشرية الحمراء»، فما كان سائدًا قبله قد كبل أشياء كثيرة؟ وأعاد «حرية تعبير» تبدو محتشمة قليلًا، والأهم أنه أبقى قيد «العلم الوطني» الجزائريين جميعًا.

قد تبدو «عهداته الأربعة» مثيرة للجدل عند المعارضة لا سيما «الرابعة»؛ لأن مثالب كثيرة رفعت على مقاسات هذه الأخيرة، لكن في أجواء هذا العالم الثالث من العالم العربي والذي أضحى مهددًا برمته، يبدو ما أعادته «عهدات الأربعة» من خرائط سياسية واقتصادية، واجتماعية جديدة مهمة جدًا لمن يتبصر.

هل سيسمي خلفه؟

أكاد أجزم أن الجزائريين جميعًا ينتظرون أن يسمي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة خلفه، وأن يستقر «الإجماع البوتفليقي» وقد تحدثنا عنه في مقالة سابقة قيد زمام الأمور على رأسه الجديد، ليستمر وفق هذه المقاسات التي سلفت في انتظار الأفضل؛ ولأنه أضحى البديل الأمثل في هذا العالم المضطرب، علاوة على أن الساحة السياسية «ضحلة» إن جازت هذه المرادفة؟ بما لا يمكن تصوره، أو وصفه، فقد فقدت جميع المعاني التي تقوم عليها فكرة الأحزاب نفسها.

بل الأنكى أن هذه الأحزاب أكثر المطالبين أن يسمي الرئيس خلفه؟ في انتظار أن تنكشف الأنواء الإقليمية والعربية والعالمية، باستثناءات طبعًا؛ لأن التجربة السياسية الجزائرية تعلمت أن الثابت أفضل من المتحول، إن لم أكن مخطئًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد