«لا أعلم أين أجد شغفي، لقد جربت أشياء كثيرة في مجالات تبدو لي إبداعية، أو على الأقل غير تقليدية، ولكنني لم أجد الشغف ولم أشعر بأنني وجدت نفسي» هي كلمات صديق، يسألني فيها عن ظاهرة، بل مشكلة أصبحت جد منتشرة، وربما هي مرتبطة بجيلنا أكثر من سواه.

بمراجعة بسيطة لواقع مجتمعنا اليوم، سنجد أن أكثر الأفكار المبتذلة والمنتشرة هي الافتراض بأننا يجب أن نكون قادرين على العثور على عمل أو وظيفة يمكن من خلالها الوفاء بحاجات الفرد المادية من جهة، و من أجل شغفنا وحبنا لأدائها لما تعود به على ذواتنا Self-Esteem بالرضا، وعلى صورتنا الخارجية بالإيجابية، فصرنا نسعى بكل قوة لإرضاء الذات والروح لاهثين وراء المعنى والشغف في كل ما نريد أن نفعله؛ مما جعلنا نبتعد عن كل ما يتعلق بالعيش في اللحظة الحالية والانتباه إلى تفاصيل ما يحدث حولنا، واستمداد سعادتنا مما نفعله، لا ما نرغب في فعله، في حين كان الأمر مختلفا في الأجيال السابقة، فمن لديه شغف كانت لديه مشكلة أن يحقق شغفه بالتكامل أو الاصطدام مع رغبات مجتمعه، ومن لم يكن يمتلك الشغف كان عليه في أحسن الأحوال أن يحقق رغبات وتوقعات المجتمع من حوله بالتفاعل مع قدراته ومواهبه دون أن يتوقع كسب المال من جهوده، لكن لا أظن أن أحدًا من ذاك الجيل كان يعتقد أن «ليس لدي شغف» مشكلة، فقد يأتي الشغف وقد لا يأتي، لكن الأمر ليس بمشكلة في كل الأحوال.

يخيل لشباب اليوم تنه «ساًبقا، كان الشغف يجدك، لكن اليوم صار عليك أن تجده بنفسك» ليطرح السؤال: هل لكل واحد منا شغفه؟ هل من غير الممكن أن يكون هناك أشخاص بلا شغف؟

بداية، يبدو السؤال صادمًا للذين اقتنعوا تمامًا بأن لكل منهم شغفه وفي داخله ملهم، مبدع، مفكر وعملاق نائم، طبعًا هذه القناعة لم تأت من فراغ، فهناك من رسخ تلك الفكرة، وأعتقد أن الكثيرين منا قد ساهم في ذلك بطريقة أو أخرى، فمن غير المنطقي أن يكون الجيل كله مبدعًا، فالمبدعون نادرون وهذا هو الطبيعي.

لكن ما الشغف؟

في الحقيقة لا أملك إجابة واضحة، فهو من الأمور التي يصعب تفسيرها، شيء يحدث فتنشغل بتحقيقه ومطاردته بمتعة وحماسة، ولكن ليس بتفسيره وتحليله، لكن ما زاد من تعقيد الأمور بالنسبة للجيل الجديد، هي دعاية «اتبع شغفك» لأنصار التنمية البشرية، وقصص الشغف التي يتم تسويقها، أغلبها مرتبطة بجوانب إبداعية فردية وأقصد أن أكثر مجالات التجريب والبحث عن الذات في الشغف هي في مجالات مثل الكتابة، الرسم، الغناء والتمثيل.

لكن عمليًّا، هذا الفكر غير منطقي إطلاقًا، فالشغف يمكن أن يكون في مجالات علمية وأكاديمية، يمكن أن يكون في التعليم، الهندسة، الطب وفي كل المهن التي ننظر اليوم إليها على أنها تقليدية (بورجوازية) نعم، أعرف بعض الأطباء يرتفع عندهم الأدرينالين شغفٕا بمعالجة المرضى، وأطباء أسنان يصابون بالنشوة عندما يرون فم به خلل كبير، وأعرف آخرين في حالات مشابهة في مجالات مهنية قد تبدو تقليدية جدًّا ومملة للبعض، لكنهم يجدون فيها شغفهم ومتعتهم.

وما يفرق بين أولئك، هو أن شغف هذه المهن يشبه «الحب الذي يأتي بعد الزواج» لا أحد يتحدث عنه، تعيشه بسلام ومتعة ولست مضطرًّا لمحاربة العالم من أجله، إلا أن المجد والدعاية كلها تذهب إلى الشغف الذي يحتم عليك أن تخوض حربًا من أجله مع العالم من حولك، وهذا هو الشغف الذي يتحدثون عنه في مختلف المنصات والشبكات.

إن ثمة شغف آخر خفي في المهن التي نراها عادية، فهناك الإتقان، التواصل مع الناس، الإنجاز، العمل مع الفريق (وهذه النقطة بالذات لا تجدها في باقي المجالات)، ثم ما الذي حصل لأحلام الطبقة الوسطى، التي رغم كل ما يقوله أصحابنا المثقفون وأشباه المثقفين، فهي المحرك الأساسي لأي نهضة مجتمعية، فأحلام الطبقة الوسطى هي الاستقرار المادي وتكوين عائلة، و ما الخطأ في هذا !؟ فثمة شغف في هذه الأشياء المتواضعة العظيمة.

خلاصة القول: ابحث في أي مكان، لن تجد طفلًا واحدًا يتساءل حول الاستمتاع بالوقت !؟ لأنهم وببساطة يتعايشون مع بيئتهم ويستمتعون بها ودون أسئلة، فإذا قررت أن تبحث أو أن تعمل فيما تحبه فقط في حياتك فعلى الأغلب لن تستمتع بأي شيء على الإطلاق، لأنه حتمًا أنت تستمتع بشيء ما، بل بعدة أشياء، لكنك تختار أن تتجاهلها وتتجاهل شغفك ومتعتك فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد