في حديث للرّسول صلّى الله عليه وسلّم أنّ امرأة دخلت النّار لأجل قطّة حبستها ومنعت عنها الغذاء، وهو من أوصانا بالرّفق بالحيوان والنّبات،زجر بلال مؤذنه لتختّمه على جثت لليهود، ورفض أن يُطْبق الملك الأخشبين على قوم طالما عاندوه وناصبوه العداء.

تذكّروا حديثه لأمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن أصعب الفترات في رحلة دعوته حين سألته:«هل أتى عليك يوم شدّ من يوم أحد؟ فأجابها:

«لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ! وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِم فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِك، شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْن، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا). ورد في الصّحيحين

أو ليس هو من صرخ تلك الصّرخة «ألم يكن فيكم قلبًا رحيمًا؟» عندما رفض أصحابه طلبًا لمحبّ أن يرى حبيبته؟

تأمّلوا هذه القصّة وخلاصتها أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أ رسل سريةً عليها خالد بن الوليد (رضي الله عنه) إلى بني جذيمة، فأسروا منهم رجالا، فادّعى رجل من الأسرى أنه ليس منهم، وأنه إنما جاء إليهم لأنه كان قد عشق امرأة منهم، فجاء ليزورها فقط، وطلب من جنود خالد أن يسمحوا له بأن يحادثها، وقال لهم: دعوني أنظر إليها نظرة، ثم اصنعوا بي ما بدا لكم، فوقف على امرأة منهن طويلة أدماء (سمراء)، وهي التي كان يعشقها، واسمها حُبيشة، فقال لها: (اسلمي حبيش، بعد نفاد العيش)، فقالت له: (وأنتَ، فحُييتَ عشرًا، وسبعًا وترًا، وثمانيَ تترا !)،ثم خاطبها بقصيدة يَتلوّعُ فيها على ما فاته من وصالها، حتى حان أجله، يقول فيها:

أرَيتُكِ لو تبّعتكم فلحقتكم •• بحلية أو أدركتكم بالخوانقِ

ألم يك حقا أن يُنوَّل عاشقٌ •• تَكلّفَ إدلاج السُّرى والودائقِ

فقالت له: نعم، فديتُك! فعاجله أحد المسلمين، فقتله، أمام معشوقته،فلما قُتل، قامت الجارية إليه تقبّله وترشفه، حتى ماتت معه. فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفعل، قال: أليس فيكم رجل رحيم؟

وهو الّذي كانت وصاياه لأسامة ابن زيد حين أرسله على رأس جيش للشّام تشمل البشر والشّجر والحجر إذ قال عليه الصّلاة والسّلام: (لا تقتلوا صبيًا ولا امرأة ولا شيخًا كبيرًا ولا مريضًا ولا راهبًا ولا  تقطعوا مُثمرًا ولا تخربوا عامرًا ولا تذبحوا بعيرًا ولا بقرة إلا لمأكل ولا تٌغرقوا نحلًا ولا تحرقوه)، كان نعم المحبّ الحبيب،الرّفيق النّاصح الرّقيق، الصّادق الأمين الصّديق الدّاعي إلى صراط ربّه بالحقّ المحقّق لكلمات اللّه:

«فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» (آل عمران159)

  «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ». (107الأنبياء)

محمّد لم يكن فقط رسول خاتم الرّسالات بعث لفترة ومات (632م) لم يكن مخصوصًا لمكان وزمان وانتهى الأمر فحقيقته أكبر من هذا الحصر، فهو أرسل لقومه، وقومه ليسوا فقط عربًا، بل أيضًا عجم وكلّ الأجناس، أرسل لمكانه وكلّ الأماكن، للإنسان وكلّ الكائنات، لزمانه، وما بعده وما قبله، كان دعوة إبراهيم وكلّ الأنبياء والمرسلين، كان شفاعة لآدم عند ربّه، محمّد كان عنوان قصّة الوجود والرّحمة الكبرى لكلّ موجود.

محمّد هو الفطرة وهو الكتاب والحكمة، محمّد هو المخلوق الأكمل المثال المحفوظ الّذي إن لم تحترمه وجدت نفسك في إسطبل الدّواب، محمّد هو القرآن يمشي، هو قبضة نوره وأمره لها أن تكون محمّد، تلك حقيقته صلّى الله عليه وسلّم، خير خلقه، خير من كبّر، طاف بالبيت وهللّ، من صلّى، وصام، وجاهد فيه، ناصر الحقّ بالحقّ الهادي إلى صراطه المستقيم. ذكر اسم محمّد في القرآن 4 مرّات وكذلك اسم الشّريعة 4 مرّات.

1- مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (الأحزاب40).

2- وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِين (آل عمران 144).

3- وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (محمد 2).

4- مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (الفتح29).

العدد الجملي لكلّ هذه الآيات هو ضارب 23 (استعمل السّلف العدد الجملي وهو عبارة عن تحويل الحروف إلى أرقام وجمعها). العددالجملي لاسم محمّد هو ضارب 23. هل تدرون معنى العدد 23 للإنسان؟ أليس هو عدد الصّبغيات الحاملة للجينات (23 زوجًا) أليس هو المسؤول على البرنامج الجيني للإنسان؟
محمّد هو برنامجنا الجيني موجود في كلّ واحد فينا إذا ما تركناه سليمًا نقيًّا طبيعيًّا على الفطرة سنتناغم معه ونكتشفه ونكتشف أنّه برنامج محمّدي.

ألم يقل الله تعالى في سورة التوبة: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ»، محمّد أرسل للنّاس كافّة، دعوته كانت سابقة لبعثه، حاضرة في وقته ولاحقة من بعده.

محمّد موجود فينا إن بحثنا عنه، إن اتّبعنا الفطرة، إن اتّبعناه في مثاله الّذي تحقّق، حتّى بدون لغة أو رسائل دعوة كلّ كائن فيه تلك الدّعوة وهي عليه حجّة.

صلّ اللّهم وسلّم عليه وعلى آله وصحبه كلّما ذكره الذّاكرون وغفل عن ذكره الغافلون عدد ما كان وعدد ما يكون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد