في قراءة للأدب الواقعي

كل رجل أسود يتمنى أن يصبح أبيض، أن تكون أبيض بالنسبة لآكلي لحوم البشر مرادف لركوب القطار، ولبس أحذية مطاطية، أن تكون أبيض يعني أن تكون حرًا، أن تكون إنسانًا، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يتمنونه، أن يكونوا بشرًا، أي شبيهين بالرجل الأبيض.
يقبل آكلو لحوم البشر تنفيذ أوامر ماكس، يقتلون المبشرين الأربعة، كما يصطادون التماسيح، فيرسل حاكم الإقليم قواته لقتل السود، وتتناقل أخبار المجزرة الصحف العالمية في إدانة لأوروبا. يجري جيورجيو حديثًا بين قادة أوروبيين مجهولين، عن ضرورة قتل السود، مقابل استمرار ضخ أوروبا بالكاكاو الأفريقي. هكذا تستهدف جريمة القتل إحراج الأوروبيين الذين يعيشون من هيبتهم كأفراد عادلين ومثقفين، إنها رواية تذم الصورة الذهنية المستقرة عن أوروبا الخمسينات، التي خرجت من الحرب مدمرة، ومع ذلك أخفقت في علاج إدمانها لإذلال الشعوب الأخرى، واستنزاف مواردها.
هذا ربّما أقرب مدخل يمكننا الولوج منه إلى رواية قسطنطين جورجيو شحّاذوا المعجزات التي أصدرها سنة 1958، وهي رواية الحرب والفقر والعنصرية، التي عانى منها السود في أمريكا وجنوب أفريقيا إبّان حكم نظام الآبرتهايد. فرواية شحاذو المعجزات للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو تختزلُ معاناة الإنسان الذي أُغلِقتْ بوجهه كلّ أبواب الخلاص في مواجهة الفكر الطاعن في القسوةِ والمُغالي في اضطهاد الفرد لتتحوّل الضحيةُ إلى جلاّدٍ يتوهّمُ أنّه الحقيقة الوحيدة في الكون. ولا تقلُّ رواية شحاذو المعجزات أهميةً عن رواية «الساعة الخامسة والعشرون»، الرواية الأشهر للكاتب قسطنطين جيورجيو. ويطرحُ الكاتب في روايته مسألة العنصرية والاستغلال وما ينتجُ عنهما من شعورٍ بالاضطهاد وتمييزٍ يُقسّم العالم إلى فئتين: الأسود/الأبيض. هذه العلاقة تجسّدت في الرواية من خلال شخصيتين: (ماكس أومبيلينت)، الرجل الأسود وستانيسلاس كريتزا، الرجل الأبيض وهما (سائحان يجلسان إلى الطاولة نفسها) في مقهى فندقٍ (في منتصف شهر ديسمبر، وقد تجاوزت الساعة منتصف الليل. تعرضُ لنا هذه الرواية صورًا مؤلمةً تتحدّث عن معاناة السود وعن تاريخٍ طويلٍ من الوحشية والتعذيب والإهانات التي جعلتهم كائناتٍ معدومة القوى في عالمٍ غريبٍ ولا إنسانيّ، منعزلين ومنفيين خارج العالم وخارج العدالة. ولا ذنب لهم سوى بشرتهم. ربّماهو قدر السود أن يظلّوا وحيدين، قال ماكس. هذه الشخصيّة ليست شخصية عاديّة إنّما هي تجسيدٌ لأفكارٍ أراد لنا الكاتب أن ندركها من خلال تصرّفات ماكس وأفكاره وتوجهاته. فالكاتب يؤكّد أنّه لا يمكننا تجاهل أنّنا نعيشُ في مجتمعٍ عنصريّ بشكلٍ عميقٍ، في مجتمعٍ ينتهزُ الفرص ليتاجرَ بحياة الناس دون أدنى شعورٍ بالذنب، في مجتمعٍ ظالمٍ يعجُّ (بالشحاذين السود) الذين يشحذون المعجزات، أي يتسوّلون المساواة والاستقلال، يشحذون احترامًا، ويشحذون الاستقلالية والحرية. في مجتمعٍ ظالمٍ يحكمه هذا التمييز، ارتدّ العنف الخارجي على ذات ماكس عنفًا داخليًا رهيبًا ناجمًا عن اضطهادٍ جعله يؤمنُ أنّه لا يستحقّ الحياة. هذا البؤس النفسيّ انعكسَ جليًا حين توفّرت له فرصة أن يكون زعيمًا في قومه لذلك نراه يحتقرُ قومه ويستغلّهم ويعنّفهم طالبًا منهم أن يعترفوا بقوتّه التي بلغت حدّ العنصرية وتحوّل العنفُ عنفًا طبقيًا يتمثّلُ في تضخّم أنا (ماكس) وانحسار أنوات (قومه)، وهو ما يُسوّغ الاحتقار بأساليب غير إنسانيّة ليغدو العنفَ مظهرًا من مظاهر التفوّق والاحتقار، إذ لا كرامة لمن لا يحكم، بل لا حقوق إنسانيّة له. هذه الممارسات التي قام بها ماكس تجاه قومه هي المفارقة التي أراد الكاتب من خلالها إخبارنا أنّ الضحية تتحوّلُ جلّادًا إذا ما سمحت لها الفرصة لأن تحكم فالإنسان محكومٌ بأنانيته، بحبّه لذاته وللسلطة، بحبّه لمتعة العنف التي تتجلّى في الاستمتاع بآلام الآخرين وبؤسهم وهذه المتعة دليلٌ على الخواء الداخليّ وعلى تقلّص الحياة النفسيّة المعافاة للضحيّة وهو ما يُذكّرنا بقولٍ للمفكّر كَانتْ: من نسيج الإنسان الفاسد لم يصنع أيّ شيءٍ مستقيم أبدًا.

نجح الكاتب في إبراز هذه الصفة داخل الإنسان الذي كان ضحيّة عنفٍ وتحّول إلى جلّادٍ بلغَ به الاستكبار حدًّا هائلًا فصبّ عدوانيته على قومه الضعفاء واستمتع بآلامهم واستغلّ آمالهم وإيذاء كراماتهم وليست هذه الساديّة إلا تجسيد لضعفٍ أصيلٍ ناجمٍ عن معاناةٍ خفيةّ تُغيّبُ إنسانية الإنسان. هذه الفكرة هي التي أراد الكاتب إيصالها لنا: ثمة مشاعر في أعماق الإنسان لا يجوز أن تتشوّه كالحبّ، والرحمة والتسامح، فإذا فقدها خسرَ وجوده الإنسانيّ وتحوّل إلى كائنٍ تدميريّ يخلقُ طغيانًا جديدًا أكثر شدةً من الطغيان القديم.
هذه الفكرة من شأنها أن تطرحَ تساؤلاتٍ أعمق لمفهومٍ أوسع وأشمل أراد الكاتب أن يُضيءَ عليه: إنّ كلّ ثورةٍ لا تعرفُ المحبة واحترام كرامة الإنسان هي ثورة نرجسيّة تولّدُ حبًّا للعنف وميلًا للعذاب وتدمير الأنا والآخرين ولذلك على كلّ طموحٍ ثوريّ في معناه النبيل، أن يبدأ من الذات الإنسانية للتوجّه نحو الآخر بوصفه إنسانًا وليس شيئًا من الأشياء كي لا يستبدل الثائر سلطةً قديمةً مستبدّة بأخرى أكثر استبدادًا وأشدّ وحشيةً ولأجل كلّ ما سبق فإن الأخلاق حاجةٌ حيوية في المجتمع البشريّ، ووظيفة للنفس الإنسانية نفسها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s