الحقيقة

يقول عالم النفس التحليلي كارل يونغ: إن الحلم باب خفي في تجاويف النفس، أعمقها غورًا، وأخفاها سرًّا، مفتوح على ذلك الليل الكوني من النفس، لكننا في الأحلام نشبه ذلك الإنسان الكلي الخالد القابع في ظلمة الليل، إن الأحلام تسهم في صنع العالم الخارجي، فيما تستشف المستقبل البعيد وتسوق الإنسان سوقًا نحو تحقيقها.

إنها نتاج حزمة من العوامل والمواقف التي وافقت النظريات العلمية والروحية في الحياة، وتحولت إلى واقع، نعم، هذا ما نطلق عليه صفة الحقيقة، تصبح الحقيقة واقعًا عندما يستوعبها العقل ويستخدمها.

الحقيقة ثابتة ومتحركة، فمثلًا:

إن ألوان الطيف هي لون واحد أصيل.

يظهر لنا ضي القمر مع الأصل أن القمر مظلم.

إن أعظم النظريات الفلسفية التي بنوا عليها أعتى الفلاسفة نظرياتهم خرجت من رحم الصدمات، التي تأصلت في أعماق النفس والروح، وتفاعلت مع العقل، وأنتجت نظرية فلسفية.

الإنسان هو بطل الرواية الكونية التي كتبها ويكتبها، جميعنا أبطال، لا شخصيات ثانوية ولا كومبارس، تطورنا بحكمة منضبطة ومحددة، لا احتمال للعشوائية، حتى بالنسبة لأصحاب النظرة المادية؛ فالطبيعة هي أصل هذه الأحداث، سواء هذا أو ذاك، النتيجة النهائية أن هناك محدثًا هو الذي أوجد البطل على الأرض بهذه الكيفية وهذا الشكل. سلسلة من الأحداث تنمو بتنظيم معقد وبسيط في آن واحد، فمثلًا، ما تصنفه في لحظة صعبًا، تجده بسيطًا في آن آخر، وما تعده حسنًا لك قد تراه في وقت لاحق شرًّا حتميًّا لحق بك، الجهل بما سوف يقع هو الإثارة والتشويق، سر المتعة، لن تكون حقيقيًّا إذا اطلعت على أحداث الحياة، لن تتلذذ بالحب في أوله مثلًا لو اطلعت على نهايته المأساوية.

الحقيقة أن ليس هناك ما يسمى إلحادًا بالمطلق، ولكن نبذ المعتقدات الدينية على اختلاف شرائعها كليًّا، ولكن الحقيقية الوحيدة أن هناك موجدًا لهذا الكون، ولكن ليس إلهًا يفرض شروطه لأنه أعطانا هذا الكون، فأصحاب النظرة المادية يقولون إن الطبيعة تطورت على مر العصور، إذن فإلههم هو الكون، من يدعي أنه خلق نفسه هو الملحد، لا أحد يدعي أنه خلق نفسه، إذن لا ملحدون، نظرية بسيطة وملهمة.

يجهل البطل الأحداث التي سوف تقع له، يجب أن تكون حقيقيًّا، من جهة أخرى إن اطلعت على كل ما يحدث لك ستعيش تتألم كل لحظة، لن يكون للسعادة أي لذة، ولن يكون الحزن عند الألم، جهل الحدثية لصالح البطل، الأحداث التي جهلناها لحظة وقعوها هي من تصنع تاريخ شخصية البطل داخل الرواية الكونية، بحسب استجابة البطل لهذه الأحداث، ماذا لو تعرفت على كل ما سوف يقع لك من أمور وأحداث، المتعة الحسية التي ستشعر بها تلاشت، لن يبقى معنى لوجوديتك، ربما تسأل نفسك الآن، لكن الأمور غير الجيدة التي سوف تقع ليس بها أي متعة حسية، إنما هي مشاعر سلبية لا أرغب في الإحساس بها، سأجيب عليك، نعم، أنت على حق، لكن تذكر معي عندما رسبت في مادة الجغرافيا ثم مرت عليك السنون وأصبحت أستاذًا في مادة الجفرافيا، سوف تذكر الواقعتين بشعور مغاير تمامًا، ستضحك، ليس غريبًا، نتيجة حدثية لجهلك، فإن لم تكن رسبت في مادة الجغرافيا فلن تكون لتدرسها بشغف وتصبح أستاذًا للمادة، الشيء الوحيد المستثنى من المتعة الحسية هي حروب الجشع والطمع ومآسيها، الرواية الكونية خالية من الحروب، إلا حروب استرداد الحقوق، وهي حروب مشروعة يموت أبطال ليحيا أبطال.

وجدنا قبل ملايين السنين، لكل منا دور، تظهر في الرواية عندما يأتي دورك، لا يفنى البطل؛ فدوام البطل من دوام الرواية، لا أبطال يموتون في الرواية الكونية، تظل تذكر وتستمر في الأحداث، كلما كان دورك مؤثرًا في الرواية تظل تذكر، تموت وقتيًّا عندما يتوقف الأبطال عن تذكرك، قد يكون دور البطولة صغيرًا لكنه مؤثر، والعكس صحيح، قد تبدأ دور البطولة عظيمًا وتنتهي حقيرًا أو العكس، تبدأ محاربًا وتنتهي مقامرًا أو العكس، تبدأ فقيرًا وتنتهي أميرًا، أو أيضًا ربما العكس.

إلى اللقاء في المقال القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد