«أريد أن أعرف كيف استطاعت هذه الكتب الثلاثة أن تعطي البشرية راحة النفس وأن تغمرها في ذاك الاطمئنان؟!

نعم إني لا أؤمن بأي شيء، وإني أرى أحيانًا الموت دانيًا مني، وفي يده (خرقة) ليمحوني كما يمحى رقم كتب بالطباشير فوق لوحة سوداء، فأحتقر نفسي، وأزدري كل حياة إنسانية… آه .

ما أسعد أولئك المؤمنين الذين يرون الموت مرحلة لحياة أخرى مجيدة جميلة«.

هل تصل حقًّا دعواتنا وشكرنا للذين رحلوا عن عالمنا؟!

في كل الأحوال لا أجد شكرًا يوازي ما قدمه الأديب العظيم توفيق الحكيم في تلك السطور القليلة التي أوردها في روايته «عصفور من الشرق» على لسان العامل الروسي «إيفان»، فبتلك الجمل والفكرة العميقة يرسم لنا الكاتب لوحة فنية في منتهى البلاغة عن التساؤل الذي يدور بأذهاننا جميعًا، ويعبث بأفكارنا، ما هو الإيمان، وما هي القوة التي اشتملت عليها الديانات السماوية بكتبها الثلاث لتصبح ملاذًا لملايين البشر باختلاف درجة إيمانهم، لم يستغرق الحكيم في البحث عن ماهية تلك القوة وذهب إلى سبب آخر يجعل المؤمنين متمسكين بمفاهيم وتعاليم ما يؤمنون به، فتلك التعاليم تخبرهم أن الموت ما هو إلا بوابة كبيرة لحياة أخرى أكثر أملاً وأشد إشراقـًا، إلى حياة مجيدة إذا ما أسعفك عملك بالخير والصلاح في حياتك الدنيا.

من قرأ الرواية كاملة سيجد أن توفيق الحكيم لم يأخذ موقف الباحث أو المتفحص في الأديان، ولم يأخذ أي موقف حقيقة سوى العارض الكاشف للصراع الكامن في النفوس والأذهان، الصراع الأشد عمقـًا بداخلنا متمثلاً في محسن وأحلامه التي انتزعته من الشرق ليسافر إلى فرنسا وهي على مشارف الحرب العالمية الثانية، فتصطدم روحه وأفكاره وإيمانه مع مادية المجتمع الفرنسي الماثل في سوزي التي أحبها بأفلاطونية زائدة؛ ليكتشف في نهاية المطاف إنها لا تبادله الشعور نفسه، ويدور في دائرة مفرغة من الشك والإيمان بكل شيء، بمبادئه وعقائده، حتى الذوق والتكوين وحب الموسيقى والكتب، وغيرها من الأعمدة الأساسية المكونة لذاته؛ فيلجأ لبطل آخر كان فليسوف الرواية وحكيمها العامل إيفان الذي امتلك من الثقافة والخبرة والمعرفة الكثير مما ورطه في عقد المقارنات أيضًا، فقارن بين الغرب والشرق، بين التقدم الذي أحدثته الآلة الأوربية فاقدة معه روحًا وأصالة ذات منبع قديم في الشرق، فأصبح الاغتراب نصيب الجميع، وأصبح المجتمع مصنعًا كبيرًا تدور تروسه بانتظام، استشهد «إيفان» بمقولة لآدم سميث يصف فيها النسق الذى تتخذه الصناعات في المجتمع الأوربي؛ فمثلا صناعة الدبوس الواحد قد تنقسم إلى ثماني عشرة عملية مختلفة يظل فيها العامل طيلة عمره في صنع رأس الدبوس فقط، وهكذا كل عامل ينفصل عن المنتج النهائي مقتصرًا على جزء واحد فقط لا غير فيفقد معه شهيته الإنتاجية واللذة المصاحبة للإنجاز، الإيمان صاحبه جزء من الاغتراب أيضًا.

وهذا ما أريد إيضاحه في الفقرة التالية من مقالي.

فالمجتمع الأوروبي اتخذ من الدين مسكنًا أخص به الفقراء ليقنعهم بأنهم يعيشون بملكوت الرب وأن الثراء الحقيقي يكون يوم الحساب، مستغلين كلمات المسيح صابغين عليها تفسيرًا يخدم مصالحهم الطبقية «ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله، لأن دخول جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله».

أما عالم الشرق في تلك البلاد التي يدين أكثر أهلها بالإسلام لم يختلف الوضع كثيرًا، فنجد تفسيرًا شبيهًا لما أورده النبي «إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة، فاخترت لقاء ربي والجنة».

تم تفسير الأثرين كدعوة للزهد لمجموع الفقراء والدهماء، وبنظرة أكثر قربًا من الواقع ومع تعريف حقيق لمصطلح «الدهماء»، يقول ألدوس هكسلي عن الأوربيين حين تباهوا بارتفاع عدد المتعلمين في مواجهة الأمية «فالدهماء التي تعلمت الرموز السخيفة، ماذا اكتسبت، لقد حشت أدمغتها بسخف وقاذورات»، يرى هكسلي أن التعلم ومعرفة مبادئ القراءة والكتابة ليست الغاية، ولكنه وسيلة للتخلص من التبعية والخروج عن صف العوام أو الدهماء، وتكوين شخصية وإرادة وأفكار مستقلة دون انقياد، فأوروبا التي اشتعلت أجزاء كبيرة منها في الحرب العالمية الأولى قادت أنظمتها الملايين من الأفراد لقتال نعقـًا بالميكروفون كالخراف تمامًا، هكذا نستطيع وبكل وضوح إطلاق مصطلح الدهماء عليهم.

فالناموس العام لتلك الأنظمة يتبع قاعدة واحدة ترى العقل إذا ما أصبح حرًا طليقًا قادرًا على تحديد مصير صاحبه، فلا حاجة له، والسير مع المنظومة وقتها ربما يكون هو الحل الأوحد لضمان جزء من البقاء الوهمي!

لا تخلو أرض مهما كان نظام ريها من ثمرات يانعات، ربما تأتي كومضات في حقب زمنية معينة؛ فأوروبا التي أعدمت يومًا ما كل علمائها حرقـًا واتهمتهم بالهرطقة والسحر والجنون، وجففت منابع الفكر والأدب والفنون، وجعلت كنائسها الدين المسيحي -المُفصل حسب الهوى- دستورًا للفتك بالمفكرين أمام محاكم التفتيش، هي نفسها أوروبا التي كشفت عن بيتهوفن وميكل آنجلو وباخ وباسكال وماركس وغيرهم.

وبالرجوع مرة أخرى إلى محسن وصديقه إيفان ….

في باطن الأمر إيفان أيضًا مخدوع كما انخدع محسن، الأخير انخدع بحداثة الغرب والآخر انخدع بأصالة الشرق وروحه وسلامه الرؤوم، بعلاقة رسمها توفيق الحكيم جعل من أوروبا قارة صغيرة سعيدة مختالة بنفسها من أب وأم شاخا وتقدم بهما السن نهلت منهم الكثير، ولكنها تركتهم بعد ذلك في مرضهما بل زادت عليهم المرض لتصبح إفريقيا وآسيا أول ضحايا تلك الفتاة اللعوب.

فالتقدم الذي أحرزته على أرضها ورث استعمارًا على أرض القارتين الأخيرتين تبعه سلبًا ونهبًا للثروات وانتهاكـًا للبشرية، عبر عن ذلك محسن في رده على إيفان موضحًا «إن ذلك المنبع وتلك الأنهار التي تريد أن تشرب منها، قد تسممت كلها، إن الفتاة الشقراء يوم حقنت فخذها بالمورفين السام لم تترك أبويها سالمين، لقد قضي الأمر ولم يعد هنالك نبع صاف، فإن الزهد قد ذهب كله من الشرق».

فالشرق أيضًا تلوث بعلاقات غير شرعية بين رجال المال والسلطة لاحقهم رجال الدين، فانطوت العمائم على أطماع وملذات شخصية، وامتلأت كروش الوزراء والحكام بأموال الشعب، وتسلحوا بالمنطق الأوروبي نفسه، بل ساروا على النهج الأوروبي نفسه تمامًا في اختيار ملابسهم ومأكلهم ومشربهم، وكذا اختيار شكل نظامهم الحاكم ليتحولوا إلى مسخ أشد، ويصبحوا أعجوبة كل زمن.

حتى أصبحنا جميعًا قردة في قفص لا نحسن سوى القفز على صفحات تاريخنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد