تتضمن هذه السلسلة أنواعًا مختلفة للتدين، حيث دعت الحاجة لمعالجة هذا الموضوع خاصة مع رواج التجارة الدينية، وامتهان الدين، واستغلاله من طرف أشباه المتدينين لخدمة مصالحهم، وتحقيق غاياتهم، فقررت أن أتناول هذا الموضوع حتى لا يكره الناس دينهم، ولا ينخدعوا بهؤلاء، والبداية ستكون مع التدين المرضي.

1- التدين المرضي

يتميز التدين المرضي بـ«تضخيم قيمة اللفظ على حساب المعنى، وإعلاء قيمة المظاهر الخارجية للدين على حساب المعنى الروحي العميق للدين، وإعاقة النمو النفسي والاجتماعي والروحي، وإعاقة التكامل الشخصي (إهمال الموازنة بين هذه الجوانب)، والانشقاق بين ما يسديه الشخص من مظهر ديني وبين ما يضمره من أفكار وأحاسيس (النفاق الديني)، والميل إلى الاغتراب بعيدًا عن الذات (تعذيب النفس وحرمانها من المباحات)، والتعصب والتشدد خارج الحدود المقبولة شرعًا، بالإضافة إلى تضخيم الشخص لذاته وتعظيمها (حيث إنه لا يخطأ أبدًا فهو على الحق المطلق والصواب الأبدي)، والرغبة في السيطرة القاهرة على فكر ومشاعر الآخرين (الأبوية وقيادة الآخرين لأنهم قصار فهم وضعاف عقول وجهال فكر)، ناهيك عن الرفض الصلب والعنيد لأي رأي آخر وإقصاء الطرف الآخر واستحماره، بالإضافة إلى القدرة الكبيرة على المناقشات الدينية»[1] أي ادعاء العلم في جميع الأصول والفروع والمسائل والقضايا الدينية، مع تحفيز الذات وما يتبع ذلك من الميل إلى السلبية والهروب من مواجهة الواقع (إخفاء العجز والكسل والخمول وراء قناع الدين).

2- التدين الصوفي

«هو تربية ذاتية شديدة الخصوصية يمر بها قليل من الناس، وهنا يمر الشخص بكثير من التناقضات، ثم فجأة يحس أن هناك شيئًا هائلا قد حدث»[2]، وأنه انتقل إلى مرتبة خاصة، وتبقى هذه التجربة خبرة ذاتية غير صالحة للتعميم، وهي خطرة للغاية حيث تختلط فيها الكرامات بالوساوس، والإلهامات بالخرافات، فيرى بعضهم أشياء يعتقد أنها كرامات روحية، في حين أنها وساوس شيطانية، ويعتقد بعضهم أنه يرى الله ورسوله جهرة! وآخر يسبح نفسه! وآخر يعبد شيخه!، فهذا التدين يشترط في الشخص المنتسب اليه ألا يسأل ولا يناقش! أنه إطفاء العقل لتسهيل التأثير والإقناع.

3- التدين المعرفي (الفكري)

«وهنا ينحصر التدين في دائرة المعرفة، حيث نجد الشخص يعرف الكثير من أحكام الدين ومفاهيمه، ولكن هذه المعرفة تتوقف على الجانب الفكري ولا تتعداه إلى دائرة العاطفة والسلوك، فهي مجرد معرفة نظرية، وبعض هؤلاء الأشخاص قد يكون بارعًا في الحديث عن الدين أو الكتابة عنه ورغم هذا فإنه لا يلتزم بتعاليمه في حياته اليومية»[3]، فكم من عارف وفيلسوف في النظري، ولكنه جاهل في التطبيق، وهو بذلك يحمل هذه المعرفة لتكون حجة عليه يوم القيامة، فلا تنخدع بمعسول الأقوال حتى تنظر إلى معسول الأفعال.

4- التدين العاطفي (الحماسي)

«في هذه الحالة نجد أن الشخص يبدي عاطفة جارفة وحماسة كبيرة نحو الدين، ولكنه لا يواكبه بمعرفة جيدة بأحكام الدين ولا سلوكًا ملتزمًا بقواعده، وهذا النوع ينتشر بسرعة عند الشباب خاصة حديثي التدين، وهي مرحلة يجب إكمالها بالجانب المعرفي والجانب السلوكي حتى لا تطيش ولا تنمحى». وإلا فإن الشخص سيخرج من الدين مسرعًا كما دخله مسرعًا، لأن هذا الدين متين يجب أن نتوغل فيه بلطف.

5- التدين التفاعلي (رد الفعل)

«نجد هذا النوع من التدين عند الأشخاص الذين قضوا حياتهم بعيدين عن الدين، يلهون ويمرحون يأخذون من متاع الدنيا وملذاتها بصرف النظر عن الحلال والحرام، وفجأة نتيجة تعرضهم لموقف معين أو حادث طارئ، أو مصيبة مفاجئة، يتغيرون من النقيض إلى النقيض، فيبدأ الشخص في الالتزام بكثير من مظاهر الدين، ويتسم بالعاطفة القوية والحماسة الزائدة، ولكن يبقى تدينه سطحيًا تنقصه الجوانب المعرفية والروحية العميقة، وفي بعض الأحيان يتطرف في التمسك بمظاهر الدين حفاظًا على توازنه النفسي والاجتماعي»[4] لأنه كان في أقصى الطرف الآخر من الدين أي المعصية)، وتخفيفًا للشعور بالذنب الذي يلهب صدره، ويقض مضجعه، والأدهى من ذلك أن يشرع في الفتوى وإصدار أحكام الحلال والحرام!

يتبع…


[1]– اكرام فاطمة بقادة، أثر التدين في تحقيق التوافق الزواجي، مجلة دفاتر علم الاجتماع، العدد: 11، 2012، ص: 200. بتصرف.

[2]– نفس المكان.

[3]– المرجع نفسه، ص: 197.

[4]– المرجع نفسه، ص: 198.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

بقادة فاطمة اكرام، أثر التدين في تحقيق التوافق الزواجي، مجلة دفاتر علم الاجتماع، العدد: 11، 2012، ص: 197-200.
عرض التعليقات
تحميل المزيد