يمثل عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين العصر الذهبي للإسلام، لا يخالف في هذا من أهل الملة إلا من تنكب سبل العلم وركب ظهور الغواية، ويعتبر واقع تلك الحقب من التاريخ الواقع الشرعي الوحيد الذي يمكن الاستدلال به على الحقيقة والاسترشاد به إلى الحق، فالقيمة في هذا العصر كانت حياة الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وزمانهم ومكانهم ومعاملاتهم، أما القيمة في زماننا فهي فكرة وأمر مجرد مما ينبغي أن يكون ونسعى للتحلي به وقياس مدى صحة طريقنا عليه.

سلفية الإسلام وإسلام السلفية

تعتبر الفرق والاتجاهات والتيارات الدينية المبنية على فكر جزئي طائفي أحد حتميات المجتمعات التاريخية التي كان مبتدؤها الدين، وخير مثال على ذلك المجتمعات اليهودية والمسيحية والمسلمة، فكل هذه المجتمعات افترقت إلى فرق متعددة يصل حد الاختلاف فيها أحيانًا حد القطيعة الكبرى التي لا تبقي من أصول المنطلق وفروعه ولا تذر، حتى تحسبهما ديانتين متعارضتين في أصل النزول والمنزل.

وتمثل السلفية أحد الفرق المسلمة التي انتشرت وكثر مريدوها عبر جميع أنحاء العالم، وتعتبر السلفية باعتبارها ظاهرة اجتماعية غير مخصوصة بالمجتمع المسلم أحد أهم مميزات المجتمعات التاريخية كاليهودية والمسيحية، والتي تدعو في مجملها إلى الحفاظ على العتيق من الأفكار والثقافة والاقتداء بالأولين من الصالحين والربانيين وتطبيق الدين كما طبقه الأولون الذين عاصروا ظهوره واكتماله.

وعلى هذا بنيت أصول سلفية الإسلام من الدعوة إلى الحفاظ على السنة وإحيائها والاقتداء بالصحابة والتابعين وتابعي التابعين الذين فهمو الدين على حقيقته وطبقوه أحسن تطبيق فصلحوا وصلحت مجتمعاتهم وأسسوا بهذا لحضارة دامت قرونًا مديدة، بل وأرسوا لقواعد الحضارة الراهنة التي هي امتداد لما بدؤوه بعقول لا تشكر ولا تعرف لأهل الفضل أفضالهم إلا قليلًا.

صحة المنطلق وخيانة المقتدي

لعل من القواعد المتقررة هي أنه لا يمكن أن يعاب المتبوع بأفعال تابعيه، فلا يمكن رد الإسلام بما عليه المسلمون ولا تكذيب الرسول بما فعل المرسل إليهم ولا انتقاد العالم والمثقف بفساد مجتمعه وأمته، انطلقت السلفية من فكرة التجديد والإصلاح وربط آخر هذه الأمة بأولها.

ولا يتم هذا إلا عبر أمرين اثنين: تصفية الإسلام مما شابه من شوائب البدع والأفكار الغربية والدخيلة التي تتعارض أو لا تتواءم مع مقاصد الشريعة وأصولها وتربية المسلمين على الإسلام الصحيح، الذي يمثل القرآن والسنة مورديها الوحيدين والثابتين، ولايتم هذا إلا بالعلم ومعرفة القرآن وتأويله والسنة الصحيحة من الضعيفة وفهمها كما أرادها صاحبها عليه أزكى صلاة وأفضل تسليم، وبهذا يعتبر التقليد أمرًا غير مقبول باعتباره أحد أسباب انتشار البدع والجهل وعدم الفهم السليم للوحيين.

إذن تعتبر السلفية من هذا المنظور فرقة دعوية علمية إصلاحية لا تهدف إلى استقطاب الجماهير، بل إلى إصلاحهم ولا تهتم بالسلطة السياسية، بل بالسلطة العلمية، وليس الاصلاح السياسي ضمن أولوياتها بل الإصلاح الديني وتعتبر العقيدة ومسائل التوحيد أكبر همها وبالتالي فالموالاة والمعاداة تكون ليس على أساس حزبي سياسي أو عرقي شعبوي إنما على أساس ديني عقائدي، فانتقاد الرجال وجرحهم وتزكية العلماء ورفعهم يكون لمدى تمسكهم بالسنة وسلامة المعتقد والعمل على وفق المنهج في الأخذ والرد والتناول للقضايا على قواعد معروفة.

إلا أن مرور الأيام وحدوث الحوادث وكثرة المريدين واختلاف النوايا والمقاصد وخوف السلطة والأنظمة من انتشار هذه الفرقة، جعل من أتباعها لا يمثلونها ولا يتمثلونها، فاتجهت نحو الطقوسية والاهتمام بالمظاهر والولاء والبراء في الرجال والتحزب والانخراط في السياسة سواء بشراء المناصب بالمبادئ أو المغالاة في تمجيد الحاكم وتقديسه وإقراره على باطله بتبريرات لا تختلف كثيرًا عن تبريرات من غالوا في تكفيره والتغاضي على حسناته والاستقواء بالكثرة عن تكيف بعد غربة وعن تنازل بعد مجاهدة والوقوع في تقليد شنيع منكر بعد التحذير من تقليد معروف والجهل المفرط بعد اشتهار بعلم وانغلاق على الذات بعد انفتاح على دعوة وتحاسد وتباغض وتنافر رغبة في دنيا بعد زهد وإقلال منها وتنطع بعد تطلع، وغيرها من القضايا التي صارت عند السلفيين سلوكيات وعادات تتطلب إعادة نظر بل وقضايا تتطلب تفصيلًا ودراسة.

من هو السلفي؟

يعتبر القرآن والسنة الصحيحة هي الأصل لكل علم شرعي ودنيوي، إلا أن العلوم الشرعية والأحكام المستخرجة منها تتوقف على الوحيين بشكل مطلق، ولا يتدخل العقل إلا باعتباره أداة لفهم هذين الوحيين واستخراج الأحكام المتعلقة بحياة المسلم في جميع المجالات، عن طريق المقارنة والتفسير والتحليل والجمع المتشابهات والتفريق بين المختلفات وتحديد الكليات والجزئيات.

أما العلوم الدنيوية فهي وإن كانت تأخذ من الوحيين، إلا أن مبناها على العقل والنظر، ويمثل الدين في هذه العلوم القيمة التي توجه هذه العلوم لا أكثر، فافتراضات هذه العلوم وطرق اختبارها والنتائج المتوصل إليها كلها تبنى على العقل وترد بالعقل ويحكم عليها بالعقل إلا أن تعارض القيمة التي هي الدين معارضة صريحة في إشكالياتها أو فرضياتها أو طرق المعالجة والنتائج المتوصل إليها فهنا يحكم بردها شرعًا لمخالفتها المعلوم من الدين بالضرورة كافتراض أن علاقة الزنا تساهم في تماسك المجتمع أو الصحة النفسية للفرد، والمقصود بالشرع المحكم منه وليس المتشابه.

إلا أن المسلمين جميعًا يدعون استنادهم إلى الكتاب والسنة في اعتقاداتهم ومعاملاتهم وعباداتهم وعلومهم، ويختلفون في فهمهم للكتاب والسنة ويرجع هذا إما لعدم التمكن من اللغة التي أنزل بها القرآن وهي العربية وعلومها، وإما لاختلافهم في الأخذ بالظاهر أو بالباطن، وإما لعدم الاحاطة بالشريعة فكل يتكلم من منطلق أولوياته (الصوفية العبادة، المعتزلة علم الكلام، أهل السنة العقيدة والتوحيد، الخوارج السياسة والحكم.) وإما لاختلافهم في اعتبار الأدلة الشرعية فالقياس منهم من يعتبره دليلًا شرعيًّا ومنهم من لا يعتبره وهكذا الاستصحاب والاستحسان، أو اختلافهم في ما هو الأصل في الاستدلال العقل أم النقل ضف إلى ذلك الأهواء وغيرها من الأسباب المبسوطة في كتب أهل العلم.

وللخروج من هذا الخلاف والأخذ بالدين غضًا طريًا كما أنزل، لزم الرجوع إلى الأولين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين الذين زكاهم القرآن والسنة وأنزل القرآن بلغتهم وكانوا أسلم الناس قلوبًا وأبعدهم عن شبهات الأهواء وبقاؤهم على الفطرة من الناحية العلمية، فكانوا أدعى لفهم الشريعة على حقيقتها بعد قبولها وعدم ردها بأقوال أربابهم من العلماء والسادات والرهبان كما كانت تفعل اليهود والنصارى، إذن السلفي هو من يتبع السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين في فهمهم للدين وتطبيقهم له والوقوف حيث وقفوا والمضي حيث مضوا.

فهم السلف الصالح أم مفهوماتهم؟

إلا أن إطلاق مفهوم السلف الصالح وعدم تحديده على وجه الدقة يضعنا أمام إشكال حقيقي وتناقض واضح، فالسلف فهموا القرآن والسنة وفسروها وأفتوا في قضايا مختلفة وقعدوا قواعد للعلم كل هذا كان باعتمادهم على أداة الفهم التي تتمثل في العقل وسلامة الفطرة وبعدهم عن شبه أهل الكتاب وكمال ملكة اللغة عندهم التي هي المدخل لتكوين العقل العربي والمدخل لفهم القرآن العربي.

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل علينا التقيد بمفهوماتهم وآرائهم وفهمهم للكتاب والسنة ونقيس عليها ونقلدهم فيها؟ وهذا مما لا شك فيه أنه معارض لمبادئ السلفية المبنية على التجديد والتحذير من التقليد والاجتهاد المبني على حسن التعلم لعلوم الآلة التي على رأسها اللغة العربية ومصطلح الحديث وأصول الفقه، أم أن فهم السلف الصالح يتمثل في حالة عقلية وذهنية وعلمية بلغها السلف الصالح وليست مقتصرة عليهم بل هي حالة بلغها علماء الإسلام من بعدهم كالإمام مالك وأبو حنيفة والشافعي وابن تيمية وغيرهم وهي باقية إلى يوم القيامة.

أي أن فهم علماء الإسلام هو فهم السلف الصالح وهو المقصود بالقرآن والسنة بفهم سلف الأمة، بل أكثر من ذلك، ففهم آحاد طلبة العلم من المسلمين لآحاد المسائل إذا كان وفق قواعد الفهم السليمة يعتبر فهمًا للقرآن والسنة بفهم سلف الأمة، وهذا الرأي الأخير هو ما يفتح المجال للمسلمين من تدبر القرءآن وتفهمه وفق مقتضيات العصر وحوادثه وتبقى مسألة أن القضايا الكبرى والنوازل من اختصاص العلماء المجتهدين، أما القضايا العلمية والقضايا الخاصة فالمجال مفتوح لكل مسلم أن يفهم القرءآن والسنة وفق قواعد سليمة للفهم فيكون حينها سلفيًا لا غبار عليه وإن لم يدَّعِ سلفية ولم يلبس قميصًا أو يطلق لحية.

أنا مسلم.. أنا سلفي

والحاصل أن المسلم إذا كان تكوين عقله وبنيته كتكوين عقل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، فهو سلفي وإن لم يقم بطقوس من يسمون سلفيين، وإن قال عن نفسه أنه ليس سلفيًا. نعم هو ليس من حزب السلفيين إلا أنه سلفي أي إنه مسلم على الجادة، فالألقاب لا تزيد ولا تنقص من قدر الإنسان، إنما هي الحالات التي يبلغها الإنسان من الاستقامة والعلم ما يرفع من قدره، وعلى هذا فالسلفي هو المسلم الحق وهو من أخذ بالقرآن والسنة بفهم سلف الأمة ببعديها المفهومات والفهم وبهذا يعرف السلفي المسلم والسلفي الحزبي الذي لا يختلف عن غيره من الأحزاب وإن ادعى عدم حزبيته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد