رهف و أخواتها: حصان طروادة الحديث

تلقّفت وسائل الإعلام الغربيّة خبر فرار الفتاة السّعودية رهف محمّد القنون ذات الثّمانية عشر ربيعًا ولجوئها إلى كندا عبر تايلاند وتناولته باستفاضة واضعة إيّاه على رأس عناوينها الإخبارية، كما وقع الاحتفاء بها رسميًا بشكل يثير الانتباه، ممّا أثار تساؤلات عدّة عن أسباب هذا الاهتمام الغربي الاستثنائي بمثل هذه الفتاة الّتي لم تكن تحلم يومًا بأن تكون موضعه، فهل هي مبدئية في تناول حقوق الإنسان الكونية أم تراها حصان طروادة الحديث وكلمة حقّ يراد بها باطل؟

رهف.. ما قبل الأضواء

لم يكن يدور بخلد عائلة القنون أن تمرّ ابنتهم رهف إلى الفعل وتحوّل ما كانت تهدّد به همسًا إلى أمر واقع، فطالما تذمّرت من واقعها المعاش واحتجّت عليه وتصادمت مع أمّها وأخيها بدرجة أولى وطالما أخمدت ثورتها المشتعلة ووضعت في خانة التحوّلات الطّبيعية المرافقة لمثل سنّها، هي خلافات عائلية بسيطة لا يخلو منها أيّ بيت سعودي أو أيّ بيت في بلد عربيّ مسلم آخر في مجتمعات يغلب عليها الانغلاق ويغيب فيها التّواصل والحوار وإدارة الخلاف.

ويبدو أنّ العائلة لم تكن تنصت للبنت الّتي بدأت تكبر وصارت مجالًا لفعل الهرمونات وتحت تأثير التّغيّرات المتسارعة الّتي يشهدها المجتمع والعالم في ظلّ صار هذا الأخير قرية صغيرة لا تعجزه حدود أو مسافات.

تقول الفتاة الّتي بالكاد قفلت ثمانية عشر ربيعًا أنّها تعرّضت لاعتداء بدني وذهني من قبل عائلها منذ كان عمرها ستّة عشر سنة وأنّها فكّرت في الهروب منذ سنوات، وتضيف أنّها هربت من عائلتها بسبب تعنيفها جسديًا ولفظيًا وحبسها في المنزل مع تهديدها بالقتل ومنعها من الدّراسة مشيرة إلى أنّه تمّ حبسها ذات مرّة لمدّة ستّة أشهر بسبب إقدامها على قصّ شعرها لتخرج بخلاصة أنّ السّعوديات يعاملن كالإماء لا يستطعن أخذ أيّ قرار في حياتهنّ الشّخصية حتّى في زواج أو تعليم.

كانت المسألة تبدو عادية وطبيعية، فهي قصّة متكرّرة تشهدها مجتمعات مختلفة كتجلّ لصراع الأجيال وتدافعهم لولا الضجّة الّتي أثيرت حولها والّتي حوّلتها إلى قضيّة رأي عام.

رهف.. تحت الأضواء

تجنّدت مختلف وسائل الإعلام الغربية وصارت تتابع خطوات هده الشّابة الّتي خطفت الأضواء وكأنّ أبواب السّماء فتحت لها، فمنذ نجاحها في الفرار إلى بانكوك حيث تحصّنت في غرفة الفندق لمدّة أسبوع حتّى قبولها لاجئة في كندا واستقبالها من قبل وزيرة الخارجية الكندية كريستينا فريلاند، تصدّرت قصّة رهف عناوين الأخبار وكانت سيناريو لفلم مشوّق يروي قصّة نجاة فريسة من براثن وحش ويصوّر كيفيّة الخلاص من الجحيم إلى جنّات النّعيم!

يقول رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو: «نحن مسرورون بالقيام، بذلك لأنّ كندا تدرك أهمّية الدّفاع عن حقوق الفرد والنّساء في مختلف أنحاء العالم»

فهل كانت ستحظى بكلّ هذا الاهتمام لو لم تكن فتاة ولو لم تكن سعودية؟

وكيف تحوّلت الفتاة ذات الثمانية عشر سنة والّتي أقصى غاياتها امتلاك بعض الحرّية الشّخصية إلى أيقونة نضال وناشطة حقوقية لا يكلّ لها ساعد؟

حقوق المرأة بين المنشود والموجود

لا ينكر عاقل أنّ للمرأة حقوقًا هي منتهكة بدرجات متفاوتة في مجتمعاتنا العربية المسلمة ذات الثّقافة الذّكورية المهيمنة، وهي في الغالب نتيجة لتقاليد بالية متوارثة همّشت المرأة وجرّدتها من دورها الأساسي في صنع وبناء الإنسان، فكيف لأمّة أن تنهض ونصفها مكبّل مشلول وكيف لها أن تنتج ومصنعها مخرّب ومعطّب؟

ومن المجحف أن نربط تردّي وضعية المرأة في مجتمعاتنا بالمرجعية الإسلامية وأن نستدلّ على ذلك من خلال نصوصها وإنّما هي قراءة جامدة متكلّسة لنصّ ثابت من المفروض أن تكون قراءته متجدّدة متغيّرة حسب معطى المكان والزّمان لاستخلاص الحلول الملائمة.

فحينما كان الرّسول الأعظم صلوات الله عليه وسلّم يعامل المرأة بما لم يعاملها أحد أختًا وزوجة وبنتًا وعاملة ومجاهدة، كانت أوروبا تسبح في ظلماتها وتناقش إن كانت المرأة إنسانًا أو لا، وبالرّغم من النصّ القرآني كان يخاطب الإنسان بغضّ النّظر عن جنسه أو عرقه وكان مقصده تحرّره وتحقّق قيّوميته واستكمال أنسنته، فإنّ بعض المتعاطين معه كان همّهم استخراج ما تهواه أنفسهم من تفوّق الذّكر ودونيّة الأنثى إلى حدّ حصرها في مجرّد عورة وشهوة ومصدر للشرّ والخطيئة الّتي كانت سببًا في نزولنا من الجنّة!

ويبدو أنّ وضعيّة المرأة في مجتمعاتنا العربية والمسلمة كان موضوعًا للمزايدة وكلمة حقّ يراد بها باطل استغلّها الغرب «المتحضّر» في حملة تحديثه القسري للمجتمعات «المتخلّفة»، مباشرة أو عن طريق من فرّخهم من تغريبيين حداثويين، متصادمين مع معطى الأرض والتّاريخ، والغريب أنّ المرأة في مجتمعاتنا لم تخض معركتها الشّخصية لتفتكّ حقوقها عن وعي بل خاضها عنها بالإنابة رجل أناني كان يستعملها مطية ويبحث عن الحرّية في الوصول إليها عوضًا عن تحرّرها.

عولمة حقوق المرأة

وبالعودة إلى قصّة رهف فمن الملاحظ أنّ بداية التغيّرات العاصفة الّتي شهدتها حياتها كانت متزامنة مع التحوّلات العميقة الّتي يعيشها المجتمع السّعودي بعد الاستجابة الشكلية للإملاءات الخارجية لإحداث بعض الإصلاحات وهي تعود أيضًا إلى الصّدمة الثقافية للتحديث القسري في ظلّ العولمة المتوحّشة المنتهكة للخصوصيّات والّتي لم يقع حسن الاستعداد للوقاية من أثرها المفتّت والمدمّر للكينونات.

وقد تخفي قصّة رهف قصصًا أخرى لآخرين وأخريات هربوا وسيهربون إلى «جنّة» الغرب في الأرض كما لآخرين أو أخريات فرّوا إلى «جنّة» داعش في السّماء وقد يستمرّ النّزيف إلى حين ما لم يشرع في تشخيص المشكلة والبدء جذريا في معالجتها.

فالسّعودية ذات الرّمزية والمكانة المحورية في قلوب ومخيال الملايين هي أيضًا مرمى لسهام العديدين، فهي مستهدفة ومن المضحكات المبكيات أنّ القائمين على شؤونها يساهمون بحماقاتهم وقصر نظرهم في تسهيل استهدافها وكأنّها عمليّة مبرمجة للتدمير الذّاتي.

وصلت الشّابة السّعودية إلى برّ الأمان، إلى الجنّة الموعودة وكان أوّل ما فعلته أن نشرت صورًا لأردافها ولقطعة لحم خنزير وهي تتناولها مع كأس من النّبيذ، هكذا كانت نقلتها النّوعية من بلد يعتبرها دابّة في قطيع ومجرّد شهوة إلى دابّة متنطّعة بلا قيود لكنّها سلعة!

لن تكون رهف الأخيرة فهذه المأساة الإنسانية الّتي تمّ توظيفها سياسيًا مرشّحة لأن تتكرّر طالما أنّ المتسبّبين فيها مستمرّون في إنكار الواقع وكانت إجابتهم بالتخوين والتبرّؤ منها دون بذل أدنى جهد لتشخيص المشكلة أو محاولة إيجاد حلول لها.

فالسّعودية ذات المكانة الرمزية المميّزة عند المسلمين وفي الإسلام لا يمكن أن تتجاوز ما تواجهه من عواصف وما يحاك لها من دسائس إلاّ بالعودة الصّادقة إلى حقيقة ما جاء به الإسلام وما ورد في النّصوص من بيان وأن لا تكتفي بانتقاء ما يفيد حصريا السّلطان، فمقاصد ما نزل من وحي هناك كان تحرّر وبناء الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد