جميل فتحي الهمامي 7
جميل فتحي الهمامي 7

أذكر جيّدا ما قاله الفيلسوف الإنجليزي جورج برنارد جو في معرض حديثه عن الأدب العالمي: الأدب الإنجليزي أمام الأدب الروسي تمامًا كالأكواخ أمام القصور؛ فعلى الرغم من قيمة الأدب الإنجليزي تاريخيًا وابستمولوجيًا، إلاّ أنّ شو قد شبّهه بالكوخ أمام الأدب الروسي. فقد أجمع جلّ النقّاد فيما يشبه الطرح المقدّس على أنّ الأدب الروسي هو قوام الأدب العالمي دون منازع. ولقد ارتأينا في هذا المقال أن نسلّط الضوء على شيء من قيمة هذا الأدب الإنساني الذي جمع الناس وشغلهم حينًا من الزمن.

كشيء من الإيتيقيا التاريخية، نستعرض في البداية جملة من التفاصيل التاريخية التي توازت مع إنتاج الأدب الروسي، لكن دون الدخول في عملية سرد تاريخية لما يمثّله ذلك من بانوراما مزعجة للقارئ. وسنقتصر فقط على الثورة البلشفية كنقطة بداية. فبعد ثورة 1917 في روسيا، انقسم الأدب الروسي بين السوفيت والمهاجرين البيض، وبرغم أن الاتحاد السوفيتي أكد على ضرورة التعليم العالي، ومن أجل ذلك حفز حقل صناعة الكتب وطبعها.

لكن من الناحية السياسية كان لديه رقابة عقائدية وأيديولوجية على معظم المؤلفات، فعلى سبيل المثال في عام 1930 كانت الواقعية الاجتماعية هي المجال المسيطر على معظم إنتاج الأدب الروسي، وكان من رموزها البارزة في هذه المرحلة ماكسيم جوركي، الذي قاد تأسيس هذه المدرسة في روسيا. فالأدب الروسي كان سبّاقًا إلى معالجة القضايا الإنسانية، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. وكانت الذاتية تقف على نفس المسافة من التشكّل الجمعي في المدوّنة الأدبية الروسية: فمثلًا: الأخوة كرامازوف لديستويفسكي، قال عنها فرويد في طبعتها الفرنسية بأنّها أقصى طريق بلغه الأدب في تحليل الشخصية الفردانية الإنسانية، بل خصّ رواية الأخوة كرامازوف بتقديم شهير جنح فيه إلى تحليل شخصية مؤلّفها ثيودور ديستويفسكي قبل تحليل شخصياتها.

وعلى المستوى الجماعي عالج الأدب الروسي قضايا هامّة قامت على الراهب الاجتماعي كالحرب والوعد والفقر والحب والجنس والدين… ولعلّ المرأة كان لها نصيب الأسد في اهتمام الأدباء الروس؛ فعبر التاريخ الأدبي، وهذا شيء من أمانة الباحث، لم تلعب المرأة، أو لنقل بصورة أوضح: الزوجة، دورًا مركزيًا في حياة الأديب كما لعبت في دور الأدباء الروس. فمثلًا – وعلى سبيل الذكر لا الحصر – الأديب الكبير بوشكين سقط قتيلًا في مبارزة مع أحد النافذين في روسيا؛ وذلك غيرة منه على زوجته الحسناء. وهذا لحق أيضًا بأدباء كبار أمثال: تولستوي، ودوستويفسكي، وفلاديمير نابوكوف، وأليكسي سولجنتسين، وغيرهم؛ فقد كانت زوجاتهم تقريبًا نصف نتاجهم الأدبي.

ويذكر تاريخ الأرشيف المخابراتي للسوفيت بأنّ  زوجة سولجنتسين قد عانت أكثر مما عانى زوجها من اضطهاد وملاحقة الـ(كي. جي. بي) جهاز المخابرات السوفيتي. ولم تتهاون يومًا واحدًا في طباعة أعماله وتهريبها وحفظها وأرشفتها. وقد أجمع العديد من دارسي الأدب الروسي على أنّ الروح الطاغية على معظم الأعمال الأدبية الروسية عبر مختلف السياقات التاريخية تتتبلور حول المعاناة ككسبب أساسي في الهروب من الواقع الرديء، وكذلك إرساء مفهوم الخلاص، كما انتشرت فكرة المسيحية والتأثر الشديد بها.

في الختام: يكفي أن نذكّر بخمس أدباء روس فازوا بجائزة نوبل للأدب حتّى تكتمل الصورة لدينا. هؤلاء الأدباء هم: إيفان بيونين، وبوريس باسترناك، وميشيل شولوكوف، وألكسندر سولجنيتسين، وجوزيف برودسكي. وأمّا في عام 2011، فكانت روسيا في المرتبة الرابعة في إنتاج الكتب وصناعتها على مستوى العالم. كما أنّ هناك قولًا مأثورًا بأن الأمة الروسية من أكثر الأمم قراءة على وجه الأرض!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك