بعد قرابة العام من الاختطاف والتغيّب القسري، اضطرّت السّلطات السّعودية للإعلان عن محاكمة سرّية للدكتور العلّامة سلمان العودة، محاكمة مهزلة افتقدت لأدنى شروط المحاكمة العادلة بعدما يبدو أنّها استنفدت كلّ أساليبها القدرة لكسر إرادته وتمّ توجيه 37 تهمة بالتّمام وبالكمال مع المطالبة بقتله تعزيرًا!

فمن سلمان العودة الذي بمجرّد ذكر اسمه يجعل أحد أبشع الأنظمة قمعًا، وتسلطًا ترتعش وتسعى جاهدة لتصفيته والتخلّص منه؟

ولد سلمان بن فهد بن عبد الله العودة الجبري الخالدي في 14 ديسمبر (كانون الأول) 1956 بقرية البصر غرب مدينة بريدة بمنطقة القصيم، له ماجستير في السنّة (الغربة وأحكامها) ودكتوراه في السنّة أيضًا (في شرح بلوغ المرام/كتاب الطّهارة) وهو غزير الإنتاج ذو حضور مميّز في السّاحة العلمية والإعلامية، له أكثر من 62 كتابًا تجاوزت مواضيعها المحظورات والمحرّمات والخطوط الحمراء المرسومة؛ ممّا جعله في مرمى سهام النّظام فكان نصيبه المحاصرة والمطاردة والاعتقال.

للدّكتور العودة قصّة طويلة مع سجون السّلطات السّعودية، ابتدأت سنة 1991 بسبب معارضته لحرب الخليج، ثمّ سنة 1994 بسبب توقيعه لمذّكرة النّصيحة، وقد اعتقل حينها ضمن سلسلة اعتقالات واسعة شملت رموز الصّحوة (المطالبين بإصلاحات قانونية وإدارية واجتماعية وإعلامية ومن ضمن الموقّعين سفر الحوالي، عوض القرني وناصر العمر) ليفرج عنه سنة 1999، ولم يثنه ذلك عن توجيه رسالة للسلطات للإفراج عن معتقلي الرّأي سنة 2013؛ ليتمّ اعتقاله هذه المرّة في 10 سبتمبر (أيلول) 2017 بعد نشره تغريدة على حسابه في «تويتر» (له 25 مليون متابع) يقول فيها: ربّنا لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللّهمّ ألّفّ بين قلوبهم لما فيه خير شعوبهم، هي دعوة للتّآخي والتّصالح، ولمّ الشّمل، ونبذ الفرقة أطلقها عندما لاح أمل ضعيف في انفراج أزمة خليجية عاصفة ومفتعلة، لم ترق لدعاة الفتنة وبث الكراهية والحقد في بلد فقد بوصلته وصودر قراره، وصارت الأوامر تصر من غرف الإمارات المظلمة.

وقد مورست على الدّكتور أقصى الضّغوطات لكسر إرادته، وعانى من الإهمال الصحّي حيث يقول نجله في وصف نقله إلى سجن الحائر مؤخّرًا: أخذوه من مدينة جدّة وكان مقيّد اليدين والرجلين مغطّى العينين، ثمّ وضعوه بسيّارة مظلمة كأنّها القبر، ثمّ نقلوه بعدها بطائرة وهو على وضعه المقيّد والمغطّى بالكامل.

وبعد طول انتظار ولذرّ الرّماد على العيون وجّهت ما يسمّى بالنّيابة العامّة السّعودية 37 تهمة للدّكتور العودة مطالبة بقتله تعزيرًا.

ومن بين التّهم الغريبة الّتي وردت في لائحة الاتّهام حسب ما صرّح به نجله الدكتور عبد الله العودة: الانتماء للاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين.

المشاركة في إنشاء منظّمة للدّفاع عن رسول الله ونصرته في الكويت أيّام صدور الرّسوم المسيئة للرّسول.

حيازة كتب محظورة (للشّيخ العلاّمة يوسف القرضاوي).

عدم الولاء لوليّ الأمر بما فيه الكفاية!

استقبال رسائل تحرّض على وليّ الأمر.

وعدد التّهم الأخرى التّافهة والّتي بناء عليها تمّت المطالبة بقتله تعزيرًا!

ليس غريبًا أن تصدر دعوة القتل لدعوة الخير والإصلاح والاعتدال في مملكة القمع والخوف، ولن تكون الأولى أو الأخيرة فقد سبقتها دعوة لإعدام النّاشطة الحقوقية الشّابة إسراء الغمغام وتبعتها مطالبة بقتل الدكتور علي العمري بعد أن وجّهوا اليه ثلاثين تهمة، والحقيقة أنّ السّجون السّعودية امتلأت بالعلماء والدّعاة والنّاشطين، بل كذلك برجال الإعمال ورجال الدّولة وبكلّ ذي رأي معارض أو حتّى محايد وهي صارت تنافس السّجون المصرية في أعداد المعتقلين مع منسوب للقمع يتطوّر طرديّا مع نموّ في التخلّف والجهل والفقر.

يعتبر الدّكتور العودة كما قلّة من العلماء الحقيقيين ممّن اختاروا التغريد خارج السّرب خطرًا استراتيجيًا على نظام سعودي قروسطي غارق في الظّلمات والجهل، استقوى بالدّين زيفا، تقوّى بالمال واستغلّ نفاق مجتمع دولي يكيل بمكيالين.

فالدّكتور العودة الوسطي المعتدل، الّذي ساهم في تأهيل وإنقاذ العديد من الشّباب السّعودي والعربي من كانوا ضحية لدعوات التطرّف والإرهاب، والّذي يحاور الجميع بما فيهم خصومه والابتسامة لا تغادر ثغره،المصلح والمفكّر، المتمسّك بمبدأ النّصح والممارسة الحقيقية للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، صار إرهابيا؟

سلمان العودة الإنسان الّذي كتب مرثية في وفاة زوجته وابنه أبكت الملايين، صار خطرًا تجب إزالته؟

كان بإمكان الدكتور العودة ومن سلك نهجه أن ينضمّ لقطيع المطبّلين والرّاقصين من أشباه العلماء المتفيقهين الباحثين عن فتات على موائد السّلاطين، لكنّه اختار طريق الصّادقين، طريق الشهداء والصّالحين والأنبياء والمرسلين وحسن أولئك رفيقًا.

تعتبر المطالبة بقتل الدكتور العلّامة المصلح سلمان العودة بمثابة شهادة إفلاس للجهات الّتي أصدرتها، وقد تكون دليل سقوطها ووصولها إلى نقطة اللاعودة.

سلمان العودة فكرة ومنهج، والفكرة باقية ولن تموت، ستبقى الفكرة ويزول الطّغيان وسيولد الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد