أصبحنا نخشى من هول ما نراه من متغيرات، أن ننبش على الرحمة والشفقة والقناعة وقيم المسلم النبيلة التي جعلت للرحمة مبدأ، والقناعة مبدأ، وحب نفع الناس مبدأ، والرفق بالمرضى مبدأ، وكل الأخلاق الإسلامية التي هي نبع المبادئ والقواعد التي تقيم السلوك البشري وتسويه.

للأسف، صرنا اليوم على أعتاب مجتمع مادي يزول بزوال المادة، فكثيرون هم من وصلوا إلى ما تمنوا وتحققت أهدافهم، ولكن بمجرد الوصول والوقوف على عتبات أحلامهم ويجري بين أيديهم المال كالنهر، نرى كثيرًا منهم يتغير تغيرًا سلبيا تدريجيا، لا أدري حقـا هل غيبت الأوراق البالية الأموال عقولهم وغرق هدفهم المنشود الذي تعبوا وكافحوا من أجل الوصول إليه، أم أنهم ذاقوا مر الفقر وضنك العيش منذ طفولته وأرادوا تعويض ما حرموا منه على حساب الأخلاق والمبادئ الإسلامية بحبهم للمال واللهاث المستمر في الحصول عليه.

نعلم جيدًا أن هناك الكثير من الأعمال والحرف التي تمارس في حياتنا اليومية يتطلب حامليها التحلي بالقيم الإنسانية والدين والأخلاق لينعم المجتمع بالحيــاة السليمة السعيدة المكللة بالراحة والطمأنينة، لكن نحزن كثيرًا لما نراه اليوم من بعض المهنيين في أداء أعمالهم، فنرى المهندسون بالرغم مما يحملونه من أمانة في تعهدهم للوقوف على إعمار البناء واحترام شروط ذلك، يتركونه للمقاولين دون تقييم ومتابعة، فينسى دوره الجلي بالوقوف على رأس عمله من بدايته إلى نهايته حتى لا يترك الباب مفتوحًا لبعض العمال الذين يستهترون في أدائهم ويعملون دون إتقان والقيام بممارسات خسيسة باختلاس مواد البناء بدون مبالاة غافلين أنه كما تدين تدان وأن تحب لأخيك ما تحب لنفسك.

وطبيب اليوم، لا أقصد كل الأطباء، ولكن هل لك أخي أن تسأل نفسك كم من طبيب يعمل ابتغاء وجه الله ويكون همه الأول شفاء المرضى، يفرح لشفاء مريض من آلامه ووقوف صرخاته من الوجع أكثر من سعادته بالمال الذي سيربحه من وراء علاجه؟ فما أروع إذا كان العمل لوجه الله والسعادة في علاج المرضى، هذا هو هدف كل خريج طب قبل عمله، ولكن سرعان ما يتغير بمجرد الشهرة والعلو وتملك المال لينتزع من معاني التطبب، بل عندما يكثر مرضاه يرهقهم بتكاليفه العلاجية الباهظة، تغيرت مهنة الطب من كونها مهنة نبيلة إلى تجارة مربحة وتغير اللقب من حكيم إلى تاجر.

ولا يمكننا أن نتحدث في هذا الموضوع من دون ذكر أعظم مثال عن ذاك، وهو المعلم المربى والمنشئ، الذي يخرج عقولًا ليكونوا روادًا ورجالًا حماة للوطن، فما إن يتميز المعلم في التدريس لنجاحه واستطاعته في تعليم طلابه السبل الصحيحة في التدريس ويحظى بالقبول من الطلاب، حتى يغير من نهجه وتراه ببحث عن الحصول على أموال إضافية علاوة على راتبه الشهري، لينتهج أسلوب العطاء القليل في المدرسة وإخضاع طلابه للدروس الخصوصية معه بعيدًا عن المدرسة، وخاليًا من المبادئ والقيم الإسلامية التي سيورثها للجيل الصاعد، نعم لقد صار معلما ماهرا لكن أين المعلم القدوة الذي يجعل عمله لله سبحانه، فيرجو منه نشر الفضيلة ورفعة الأجيال؟

دائمًا ما أفكر وأقول كيف تصبح حياتنا حينما نفتقد معالمنا، مبادئنا وأخلاقنا، لا نطلب أكثر من معلم، طبيب ومهندس يتقي الله في عمله ويقدم المبادئ والأخلاق والمصلحة العامة على الكسب البالي، فلا نفع للحجج بأن الدافع وراء ذلك ضيق العيش وضغوط الحياة الكثيرة.

نجد الكثير والكثير من العاملين من لا يتقن عمله، نسي هؤلاء حديث رسولهم صلى الله عليه وسلم إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملّا فليتقنه ولا ننسى أولئك الرائعين، الذين جعلوا من مبادئ الإسلام سبيلّا لحياتهم، أساس تعاملاتهم مبنية على الرحمة والإتقان والشفقة والقناعة والرضا والحرص على نفع الآخر وخدمته وغير ذلك من الأخلاق المتداولة بين الناس بنظرة الميسرة للمدين والإحسان للجار كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم في رعاية الجار إِذا طبخ أَحدكم قدرًا فليكثر مرقها، ثم ليناوِل جاره منها.

هناك قاعدة رسخها المنهج النبوي، وهي أن شكر الله على النعم التي أنعمها على عباده لا يكون باللسان فقط، لا بد أن تترجم ترجمة عملية بمواقف، فبالعطاء والإحسان وحب نفع الناس تكمن لذة النجاح، لذا رجاؤنا وأملنا أصبح اتق الله في نفسك وأحس بالآخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد