الحلقة الأولى: مقدمة المشوار

إن تصنيف وترتيب أفضلية الدول عالميا بين المتقدمة، النامية والمتخلفة مرتبط بقوتين أساسيتين «القوة العسكرية والقوة الاقتصادية» ولكن هناك قوة ثالثة نعيش معها ونحس بها ولكن لا نركز معها جيدا، وفي نظر النخبة هي الأكثر فعالية وخطورة، إنها «القوة الناعمة Soft Power».

هذا النوع من القوة ظهر بالتحديد مع عصر الأنوار 1715م ثم الثورة الصناعية في أوروبا 1760م، حيث في ذاك الوقت ازدهرت العلوم والفنون والأدب، ولكن لم يطلق عليها هذه التسمية رسميًّا حتى سنة 1990م على يد السياسي المحنك ورجل المخابرات الأمريكي الخطير «جوزيف ناي» في كتابه Soft Power: The Means To Success In World Politics لوصف القدرة على الجذب والضم دون الإكراه أو استخدام القوة وسيلةً للإقناع، تم استخدام المصطلح للتأثير على الرأي الاجتماعي والعام وتغييره من خلال قنوات أقل شفافية نسبيا والضغط من خلال المنظمات السياسية وغير السياسية.

إن أهمية وفعالية القوة الناعمة تظهر في استراتيجيتها، فهي عكس القوتين المعروفتين (القوة العسكرية تعتمد على الإجبار، والإخضاع والعنف من أجل تحطيم الآخر وإضعاف مكامن قوته وفرض السلطة والسيطرة عليه، والقوة الاقتصادية تعتمد على صراع رؤوس الأموال وفتح أسواق جديدة وإشعال حروب اقتصادية تفوز فيه القلة ويخسر فيه الكثيرون) وكلا هاتين القوتين بهم ضرر مادي واضح وكبير، أما القوة الناعمة فيمكن تخيلها مثل «الموت المريح» بسبب غاز الكربون، تتنفسه من دون إدراك، تفقد السيطرة والقدرة على الحركة وتنام من دون استيقاظ حتى الموت.

القوة الناعمة بالنسبة للدول هي «الإعلام، والفنون، والعلوم» هذا الثلاثي الجميل في شكله والخطير في عمقه، حيث لو قمت بتصفح تاريخ أي حضارة قوية أو ثقافة رائدة ستجدها قامت على هذه الثلاثية Trilogy، ولنأخذ أمريكا كمثال: عندها أقوى سينما فالعالم، بل إنها تخسر فيها تريليونات الدولارات (تتعدى ميزانية ولايات أمريكية مجتمعة) لتجني منها أضعاف ما خسرت، من أجل أن تقوم بتسويق أمريكا بأفضل طريقة ممكنة، وتخاطب لا وعي الشخص الأمريكي وغير الأمريكي، ما تجعله يرى أمريكا كحلم وأنها المدينة الفاضلة المنقذة (أبطال خارقون بألوان العلم الأمريكي – سوبرمان HEROES كابتن أمريكا- اقوى شرطة فالعالم، أجمل المدن في العالم، أجمل قصص الحب فالعالم، أحسن المغامرات في العالم) المنتجات الأمريكية التي تغزو كل الأسواق العالمية، منتجات ذات جودة وثمن معقولين (ماكدونالدز، كوكاكولا، حقائب Quivvers، آبل).

إن استراتيجية القوة الناعمة تعتمد على عنصر الجذب وتحبيب المستهدفين في شيء يتعلق بالبلد المراد التسويق له، فإذا أردت أن تصنع لنفسك مكانة في السوق العالمية، إذن استغل ثقافتك وحضارتك وبين كل شيء جميل فيها وصدّرها للعالم واجعلهم شغوفين بها من خلال ما صدّرت لهم، وهذا ما تحاول إسرائيل فعله حاليًّا، فبمراجعة بسيطة سنجد أنه مع بداية الألفية الثالثة (2000) خففت إسرائيل من هجماتها العسكرية واتجهت لسلك درب القوة الناعمة، فسيطروا مع ظهور السوشيال ميديا، يكفي أنك تدخل لصفحتها «إسرائيل تتكلم بالعربية» وسترى أجمل دولة في العالم، لا تسوق سوى الحب، السلام، الحياة الكريمة، رغد العيش، التصالح مع الفلسطينيين والعرب عموما وحب الخير للجميع، إسرائيل تعلم جيدًا أنا هذا الأمر مستفز وستتلقى الشتم والكلام القبيح في صفحتها، وهذا ما حصل فعلا، ولكنها أيضا تعلم أن المسلمين حدث لهم انحراف كبير في العقيدة، وهذا ما جعلها تصنع حسابات وهمية لتمدح إسرائيل على ما تصدره للعالم كصورة وما يجعل العرب يبنون صورة جميلة عن إسرائيل في عقلهم الباطن، تلك الصفحة صنعت لأهداف على المدى البعيد تطبيقًا للمقولة الجزائرية: «قطرة بقطرة حتى يفيض الكأس» فاليوم يشتمونهم ألف، غدا سيشتمونهم 900، العام القادم 500، وبعد 20 عامًا لن يشتمهم أي أحد بل سيصبح لديهم فانز ومحبون كُثر.

في مرحلة ما بين القرنين 19 و20 كانت أمريكا تحاول جاهدة انها تجنّس العلماء وأن تجلبهم لكي يطوروا خدمتهم على أرضها وتحتسب النجاحات كلها إليها، وهذا فعلا ما حدث، فهي اليوم أكثر دولة مسجلة جائزة نوبل باسمها، وأي شخص حاليا يبحث عن بيئة علمية مناسبة يخرج فيها مكنوناته البحثية، وطاقاته وأفكاره الإبداعية سيذهب إليها مغمض العينين، ستجد فيها أفضل الجامعات في العالم (بغض النظر على التصنيف الحقيقي) ستسمع أسماء الجامعات الأمريكية، وهذا الأخير زاد تسويقه أكثر من خلال الأفلام الأمريكية التي غالبيتها فيها الطلبة والكليات والجامعات والمدارس والتسويق للتعليم الأمريكي المثالي والممتع، رغم أنه ليس بالضرورة كذلك.

إن القوة الناعمة صارت أقوى القوى حاليًّا، وصارت هاجس الدول في العالم، خصوصًا مع التطور التكنولوجي الرهيب وظهور السوشل ميديا والبيغ داتا، ولا يمكنك أن تتحدث عن الواقع اليوم من دون المرور على الفيسبوك وجوجل واليوتيوب والواتساب (الأمريكي) والتيكتوك (الصيني) ومؤخرًا رأينا حربًا كلامية وقرارات اقتصادية قوية حدثت بقيادة ترامب شخصيا على الصين بسب التيكتوك، حيث هذا التطبيق صنع لنفسه مكانة قوية وأصبح ينافس بشراسة بوصفه قوة ناعمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد