احترنا في تصنيف الزمان الذي نعيشه أهو حقيقي أم افتراضي. فمن استنسخ النسخة الافتراضية أحسن الصنعة لدرجة أننا نحن، شعوب التجارب المنبهرة دائمًا، نعجز عن التفريق بين الزمانين. والسبب ببساطة أن الزمن يمر علينا بسرعة الصواريخ الموجهة والقنابل الذكية التي تهطل علينا ديمقراطية وحرية، فتحيل يومياتنا الواقعية إلى مشاهد مفترضة لواقع القيامة. وبسبب الدقة العالية للصور التي تمر أمام ناظريه المنكرين، يقف العالم مشدوهًا وهو يظن أن ما يشاهده ينتمي إلى العالم الافتراضي، حتى تلهى عن موضوع الصورة بدقتها المبهرة.

زماننا أيضًا احتار في تصنيفنا، إن كنا من نفس الجنس البشري الذي أبدع نسخته الافتراضية، أم أننا صنف دارويني مصاب بمتلازمة الحماقة. فنحن شعوب، يفترض أنها شعوب حية، ثارت، في ربيعها المستلب، مطالبة بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية كحقوق مشروعة لها مثل باقي البشر، وهي تظن أن ذلك سيتحقق عبر اعتراف دولي أكيد بحقها الطبيعي في أن تعيش كالبشر، وأن تموت كالبشر، وأن يكون لها قبور معروفة المكان مثل البشر، وشاهدة القبر تحمل اسم المتوفى وتاريخ الوفاة مثل البشر. لكنها، عكس كل البشر، سلمت قيادتها ومصائرها، بحماقة أصيلة، إلى من باعوا الإحداثيات لأصحاب الصواريخ والقنابل الذكية تلك ليحيلوا واقعها إلى قيامة حقيقية، ويصوروا الأمر للعالم على أنه فيلم من أفلام الواقع الافتراضي، ليبقوا هم الواقع الوحيد والمقدر لها.

لنحاول استجماع شتات واقعيتنا قليلًا، في خضم فوضى الزمان الافتراضية المحيطة بنا، ونعترف بسفاهة أحلامنا التي سجلها نفس هذا الزمان قبل الطفرة الاستنساخية التي أصابته. فالأيام أثبتت، والثورات الربيعية أكدت، أن مفهوم القومية العربية ليس أكثر من فقاعة انتهت مع نافخها، وأن الوحدة العربية مجرد حلم رومانسي شاهده أخرس ورواه لعميان، وأن توحد كلمة المسلمين، ولو على التماس هلال رمضان، لا يزال أمرًا طارئًا على الواقع الناسوتي ولا بد له من تدخل لاهوتي كي يتم، وأن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير كلها مجرد آليات معطلة حين تصل إلى قضايانا، وتتحول إلى مجرد إشارات غامضة من العالم الخارجي حين تلتقطها رادارات إدراكاتنا الصدئة، وتسقط على تجاربنا الخائبة والافتراضية. إذن، ما دامت أحلامنا ومواقفنا ووجودنا مجرد افتراضات زمانية لها حيز مكاني للتجربة والاختبار، فلماذا هذه المحرقة؟

إن كنا، باعتبارنا شعبًا وبلدًا منكوبين، ننتمي إلى العالم الافتراضي، فإن من فاوض باسمنا في الجنيفات والآستانات والسوتشيين افتراضي هو الآخر. وبالتالي فالعملية التفاوضية برمتها مجرد مسرحية عبثية من عبثيات العالم الافتراضي. وإن كانوا كمفاوضين واقعيين، والمفاوضات بنقائصها وتجاوزاتها وتزلفات المشاركين فيها واقعية، فنحن أيضًا، كمتفاوض علينا، واقعيون. وبالتالي كل ما حدث لنا واقعي.

لكن، الواقع يقول أن لا أحد مهتم لأمرنا، ولا أحد مكترث بمحرقتنا ولا بما وقع ويقع لنا. بل إن هناك من يفلسف السكوت الذي يطبع المواقف الدولية والإقليمية والعربية على أنه منتج من منتجات الحداثة ونفيها لسردية الفناء السوري بأسرها، كما كان أمر بعض الحداثيين من وقائع العراق. إذن، والحال هكذا، فهذا يعني أن لا أحد يلقي بالًا للمفاوضات وللمفاوضين بشأننا وباسمنا. وإلا، فإن الدول والمؤسسات ذات الصلة يملكون كل الآليات والأدوات والإمكانات اللازمة لإنهاء الأمر من النسخة الأولى لجنيف، بل منذ أول قطرة حرية تفجرت من صدر الجوابرة.

و قد رأينا عندما يقرر «الأخ الكبير» القضاء على أحدهم كيف يجيش الجيوش ويزيف الأدلة ويضرب بقرارات المؤسسات الدولية ومواقف الشعوب المستنكرة عرض الحائط ولا يبالي. بل يدير ماكينته الإعلامية ليصور الأمر على أنه قتال مصيري بين فئة الطيبين وطائفة الأشرار، وأن استمرار الأمن، الذي لم نره، والسلام، الذي لم نعرفه، رهن بانتصار هذا الأخ الكبير والطيب وحلفائه، وإن كان هذا على حساب مليون شهيد عراقي حينها ومثلهم سوري حاليًا.

دعونا نحلم أن نصل إلى اليوم الذي يشملنا العالم، نحن السوريين، بنظرة عطف واقعية ويعترف بافتراضيتنا على أنها نتاج معرفي حداثي، عله يحسن معاملة أطفالنا ويحمي مستقبلهم الافتراضي لحين استكمال البعد الزماني الحقيقي لواقعهم.

أو ربما، أقول ربما، يعاملهم مثل صوفيا، الروبوت الفائق، ويمنحهم اعترافه بشبه إنسانيتهم مثلها، ويقر لهم بحقهم في البقاء والعيش والانتماء. عله ينتقل بعدها ويعتبر سوريا جزءًا من مشروع يشابه مشروع «نيوم» التكنولوجي المستقبلي، أو أشباهه من المشاريع. ويعتبر الثورة فيها جزءًا من الثورة الثقافية وتحديث المفاهيم المؤسسة لها، التي تشهدها المنطقة، متجاوزًا حماقة من أمسك بزمامها حتى الآن، وجعلها مجرد فيلم أكشن افتراضي، إلى أن نستوعب، نحن الكبار، حقيقة زماننا الذي نعيشه، ونؤكد أحقيتنا في وجودنا الفعلي، ونعيد وجود وطننا على أسس واقعية، وطن تصبح فيه صوفيا وأمثالها نتاجًا حقيقيًا لعقول أطفالنا وهم يؤسسون «نيوماتهم» المستقبلية بأنفسهم في زمان واقعي. واقعي جدًا، بعيدًا عن نكران الحداثة وتبلد ما وراءها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد