سألني صديقي مستفسرًا عن سبب تخلّفِنا ورجوعِنا إلى الوراء بسرعة ضوئية، فوجدت أن أجيبَ عن شِقٍ من السؤال، وأترك إليه الشق المتبقي يستخلصه بنفسه، ليس بسبب أن القصة يطول شرحها فقط، ولكن لمحاذير كثيرة أتأنى فيها أي تأنٍ، متمثلًا قول القائل: «في التأني السلامة!».

قبل أُفُول القرن الـ18 وشروق قرن جديد، حدث حادث عالمي خطير، قُدّر لمصر أن تعيش على أعقابه حتى هذه اللحظة، حادث هزت له أرجاء العالم، وارتجف منه الطواغيت والمتجبرون في الأرض: لقد قامت ثورة عظيمة في فرنسا، تطالب بالحرية وإلغاء الملكية الإقطاعية، وإزاحة الكنيسة والكهنة الكاثوليك عن أي دور في الحكم، والتخلص من احتكار السلطة والثروة، وإقامة حياة برلمانية شعبية حرة وحقيقية، إلى جانب مطالب جمّة أخرى، تنضوي جميها تحت شعار الثورة: الحرية والإخاء والمساواة.

وظلت جذوة الثورة مشتعلة، تخفت قليلًا؛ فيصعد الرجعيون إلى صدارة المشهد حينًا، ثم تتوهج من جديد في موجة ثورية عاتية لتعدِم الملك، وتقتحم سجن الباستيل، وتخلّص معتقلي الحرية من ذلك السجن الرهيب، الذي لطالما ارتوى ثراه بدماء المنادين بالحرية التّواقين لها، وتردد في صداه أصواتهم أثناء التعذيب لترتد مرة أخرى في هتافات الثورة الهادرة.

وما هو إلا نيّف من السنين وخرج العفريت من القمقم، لقد خرجت الثورة من جنبات فرنسا إلى رحاب أوروبا، ثم ما برحت أن اتصلت بمصر بحملة عسكرية عِلْمية عبْر البحر المتوسط.

في مصر، كان الفقر على الفقر ، والجهل على الجهل طبقاتٍ فوق طبقاتٍ، كانت البلاد ترزح تحت الحكم التركي شكليًا، وواقعـًا تحت وصاية الأمراء المماليك، يستبدون بكل شيء في البلاد: ينهبون الثروات، ويوزعونها فيما بينهم كيفما شاؤوا، يتحاربون على أتفه الأسباب، حتى ليختصر مشهد الحكم في مصر تلك الأيام بملهاة «الكراسي المتحركة» لا يستقر لحكم مصر حاكمٌ إلا ومات غيلةً وخيانةً؛ ليشرب من ذات الكأس التي أذاقها سلفه في الحكم.

إلى أن حطّت الحملة الفرنسية، بقيادة بونابرت، شاطئ أبي قير بالإسكندرية، وهنا، وفي ذاك التوقيت حدث ما يحلو إلى بعض الكتاب تشبيهه بـ«الصدمة الحضارية».. كَمَا الفجر يتفجّر من الأفق لينقشع ظلام خانق وخيم، لقد كانت تلك اللحظة بمثابة إعلان عن بدء مرحلة جديدة في تاريخ مصر الحديث، بل في تاريخ الشرق كله.

جاءت الحملة بالمدفع، وجاءت أيضًا بالمطبعة، جاءت بالعِدة والعَتاد، وكذلك نقلت معها العلماء في كل مجال، جاءت بأغراض الاستغلال والاستعمار، وفي وجدانها المنافع المعاصرة والعلوم الحديثة.

جابت الحملة مصر، حتى يكاد لم يفلت مكان مأهول أو غير مأهول إلا ومرت عليه الحملة بجنودها أو بعلمائها. لاقت جهادًا عظيمًا من المصريين، وملاحم مخلّدة من عموم أهلها بأبسط سبل رد العدوان.

وإلى أن استقرت الحملة في القاهرة، ورجع المماليك القُهقرى إلى صعيد مصر، فأنشأت الدواوين، ودشّنت مجالس الحكم الشعبي –ولو صوريًا- لأول مرة في تاريخ مصر؛ ليتولى أمور المصريين مصريون، وتُعقد الجلسات لمناقشة أحوال المحروسة وتعيين الموظفين وتدبير شئون البلاد والعباد.

وبموازاة ذلك، وضع علماء الحملة مصر -بقضّها وقضيضها- تحت مجهر العلم، يقلّبونها يمنة ويسرة، يبحثون في تاريخها مذ أول كتابة منقوشة على الأحجار، يؤلفون المراجع في كل مناحي الحياة: في التاريخ والجغرافيا، في الفنون والموسيقى، في القانون، في الأصول والاجتماع، في الطب والأحياء والجمادات… ما تركت الحملة شيئًا في مصر حيًا أو ميتًا إلا وكتبت عنه وسطرت فيه الكتب الموسوعية، فكانت موسوعة «وصف مصر» كما سمّاها علماء الحملة أنفسهم.

إنها أول عملية موسوعية منهجية علمية منظّمة عرفها تاريخ مصر على الإطلاق، فبعد أن كان كل شيء يُردّ إلى الخرافة والبلاهة، أصبح في مصر علمٌ معاصر يفسّر الظواهر ويحلل الأمور. حتى إن محمد علي في ما بعد قال: «آتوني بـ«وصف مصر» لأحكم مصر من على هذا الكرسي -وأشار إلى كرسي المُـــــلْك- فإن الإحاطة بها تُغني عن التجول في ربوع البلاد».

لقد كانت الحملة أشبه بقبلة الحياة إلى جسد ميت، فنهض الجسد من بعد رقدة طويلة، وبُعث من بعد موات.. مدَّت الحملةُ البلاد بعناصر الحياة فجرى في أوصالها النبضُ لتبدأ مرحلةٌ جديدة.

ذهبت الحملة عن مصر، ولكنها تركت بأهل مصر أثرًا سِحريًا، فقد صعق الناسُ بأساليب هؤلاء الغزاة العجيبة في ممارسة الحياة، اندهشوا لرصانة النظام الذي يتخذه الفرنسيون الأوربيون في أعمالهم وأشغالهم، وعجبوا أشد العجب لشغفهم للعلم، وتأرّقهم للمعرفة.

رحلت الحملة، وجرت حوادثُ كثيرة، وبدأت مرحلة جديدة تحت حكم محمد علي -وأسرتُه من بعده- تَبَاينَ أسلوب حكمُهم، وتعَاقَب الابنُ بعد الأبَ، لكنّ الثابت الذي لم يتغيّر هو النظرُ في هذه الثورة الحادثة في أوربا، واستلهامُ ما أحدثته في ترسيخ العلم والتأهُّل والكفاءة في جنبات البلاد؛ فلا ولاية إلا لكفءٍ، ولا إدارة إلا لمؤهّل. يحكمون مصر وعيونهم على أوروبا: إلى أين وصلت حركة العلوم هناك؟ ما هي أهم الفلسفات والمناهج الجالبة للتطوير والتجويد والإبداع؟

وفي فجر القرن الـ19، اُبتعثت الوفودُ من الشبيبة المصرية موجاتٍ تعقب الموجات؛ تتطلعُ إلى العلوم وتكتشف المعارف الأوربية الحديثة، وتتحرى عناصر التقدم والرقي والحضارة والمدنية المعاصرة، ثم يحين وقت العودة إلى مصر؛ لتُطبّق تلك المناهجُ في شتّى ميادين الحياة، وتزدهر حركة الترجمة، وتتنوعُ، ويتأسس في مصر كادرٌ متميز، عالم ومتمكن، سيكون فيما بعد بمثابة القواعد للبناء النهضوي الذي سيكتمل بحلول غرة القرن العشرين؛ لَبِناتُ هذا البناء من المتميزين الجوّادين في كل مجال: بدايتُه عندهم، وآخرُه هو اللاآخر، أو كان يُظنُّ أن ليس له آخر!

وتدور دورةُ الحياة في مصر ويسلّم جيلٌ جيلًا يتلوه، وتخطو مصرُ خطواتٍ جادة وحثيثة في الحياة المدنية، ويَظهَر أولُ برلمان حديث في الشرق قاطبة، سنة 1866، وينتظم القضاء –سنة1975- في تشكيلات معاصرة توافق ما انتهت إليه أوربا من تقدم، وتنشأ الوزاراتُ على النمط الحديث، وتظهر المجالسُ الحضارية المعاصرة، في السياسة والعلوم والفنون، وتحِجُّ أمم الشرق إلى المحروسة لدراسة التجربة المصرية إبان النصف الأول من القرن الـ19، وتتقصى أسسَ البناء فيها، لتنطلق من حيث انطلقت مصر.

لقد كانت الكيانات المصرية الناشئة، حينذاك، مؤسسات حقيقية واقعية: فالجامعة المصرية تبدو على أحدث النُّظم الحديثة تُخرّج روّادًا يضارعون نظراءهم في العالم. والمدارس المدنية تُنتج عقولا جيدة خصبة. ووزارات الدولة وهيئاتها كلُها كيانات تقدم أجلَّ الخدمات وأجودَها.. إلى أن أفضت الحال سنة 1923 إلى دستور ديمقراطي مكتوب يفصل بين سلطات الدولة، وعلى أساسه برلمانٌ يشكّل الحكومات، أو يسحب الثقة عنها؛ فتزول.

أما حركة المجتمع وديناميكيته فكانت على أشدّها، ولمِ لا!؟ فمجتمع يحكمه ويحدد مساره النخبةُ المؤهلة تأهيلا معاصرًا- تنمو فيه الحريات؛ فتتعالى حركة النقد أمواجًا عاتية على كل تقليد عقيم ممل؛ لتنتعش الآداب المعاصرة، ولينتشيَ الوعي والثقافة بعد إصدارات الصحافة الهادفة الواعية، وازدهار الغناء والموسيقى، كلُها عناصر تغذي الروح عليها، وتُكمِل المعنى الذي يلزم المبنى.

وتمدّدت مظاهر العمران والبناء في كل أرجاء البلاد، وترامت الحواضرُ في كل ربوعها مُستوحاةً من أحدث الطُّرز الأوربية المعاصرة، وخُطّت المدن الحديثة وفق النظام الغربي، واعتُنيَ بالحياة الزراعية –سمة مصر، صاحبة العَلَم الأخضر وقتذاك- وشبكة الترع والمصارف والري فنما الإنتاج الزراعي أيما نماء، إلى أن بلغت بورصة مصر للقطن المرتبة الأولى عالميـًا.

لقد كانت الواقعية هي سمةَ الحكم في مصر في هذا الوقت القريب زمنًا، البعيد واقعًا، فكانت كيانات الدولة والمجتمع تنشأ على العلم، وكان الحُكّام يحكمون مصر وعيونهم على أوروبا، صاحبةِ آخر صيحة من صيحات الحضارة الإنسانية، يستلهمون منها عوامل البناء والنهضة المعاصرة الحديثة، المؤسَّسَة على المعارف والحياة المدنية، ولا يركنون إلى سواها من أفكار التخلف والارتداد والرجعية.

لقد قال الأولون: لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها. فهل عرف صديقي سبب تخلّفِنا، أم يريد أن يقرأ بقية القصة.. اليقين هو أننا ما زلنا نعيش البقية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد