قال الإمام الشافعي:

اصبر على مر الجفا من معلم .. فإن رسوب العلم في نفراته

ومن لم يذق مر التعلم ساعة .. تجرعَ ذل الجهل طول حياته

وقال أحمد شوقي:

قم للمعلم وفه التبجيلا .. كاد المعلم أَن يكون رسولا

أَعلمت أَشرَف أَو أَجَل مِنَ الَّذي .. يَبني وَينشئ أَنفسًا وعقولًا

فالمعلم هو صانع الأجيال حقًا، وهو باني شخصيات تلاميذه بما يزرعه فيهم من قيم الحرية، والقيادة، والمسؤولية.

أما المعلم الفريد (المثالي) فهو الإنسان المبتكر الذي يدخل إلى عمق الأشياء ليوصل لنا محتويات مادته ثم يعرضها بكل سهولة ويسر بعيدًا عن التعقيد الذي لا فائدة منه، فالمعلم الفريد تراه كالبحر الممتد عندما يدخل إلى صلب الموضوع لا تريد منه أن يتوقف، عندما يدلف إلى باب الفصل ترى شيئًا جديدًا لم تره بالأمس، ممتع في شرحه بحر في علمه، إنه يشحذ همم الطلاب ويفجر طاقاتهم الكامنة.

وعلى هذا ظلت تطاردني فكرة الكتابة عن المعلم وعن حكايتي مع مادة العلوم، فلن أنسى ما حييت مدرس العلوم الذي كان يشرح لنا الجهاز التنفسي في دقة وبساطة منقطعة النظير، والأكثر إبهارًا طريقة رسمه للقلب والجهاز الهضمي وما أصعب الفشل الذي كان يزعجني لعدم قدرتي على رسم الأمعاء الدقيقة والبطين الأيمن والأيسر للقلب، لقد كان الرسم الطبي معضلة وعقدة ما زلت أعاني منها حتى إنني كنت مبهورة بأصدقائي الذين يجيدون الرسم العلمي وأشعر إنهم ينقشون خيوطًا ذهبية على الورق.

لكن المفاجأة هي رد فعل مدرس العلوم الذي تجاهل الرسم الرديء ليركز على جوهر الأفكار، حيث أخذ يحاورنا ويناقشنا ليستنبط الإجابات وقد كنا نشعر بالخوف الشديد في البداية من تلك الطريقة التي تشبه أسلوب السوفسطائيين الفلسفي، وذلك لأن عقولنا لم تكن تستوعب بعد تلك المنهجية الجدالية وتبادل الأفكار ولكن مع الاستمرار على هذا النهج سرنا نستمتع بحصة العلوم، بل وأصبحنا نتمنى أن تصبح كل الدروس هي العلوم.

لقد اتسم مدرس العلوم بالقوة مع المرونة في طرح المادة، فقد كان يجمع بين الشدة والرحمة، فقد تصل شدته في بعض الأحيان إلى درجة يظن بها التلاميذ إنه لن يعود لليونة، ثم ما يلبث الحال أن يتغير فيتحول إلى السلاسة التي تجعل الطلاب يظنون إنه لن يعود إلى الشدة، تلك النظرية المختلطة هي التي صنعت له ربما تمثالاً في داخلنا مما جعله ينال احترام وحب الجميع.

كان المشهد الآخر لمعلمنا المثالي في نهاية السنة السادسة في المرحلة الإبتدائية، حيث كان موعد الامتحان النهائي للحصول على الشهادة الابتدائية، لقد أصر أن ينتظرنا من الصباح الباكر أمام الباب الكبير للمدرسة ليشرح لنا مادة العلوم ويلخصها بأسلوب بديع يشبه قصص الخيال العلمي ويعود مرة أخرى ليجعلنا نتبادل الأسئلة والإجابات ويشجعنا ويحمسنا لكي نقترح أسئلة ليجيب عليها أو يطلب منا أن نجيب من وجهة نظرنا.

ثم  ما يلبث بعد ذلك إلا أن يوجه سؤالًا لأحد التلاميذ ويكافئه على إجابته حتى وإن كانت ناقصة، ثم يسأل آخر فيجده لا يعرف فيشرح له ويصمم أن يكرر وراءه الإجابة حتى يتذكر في الامتحان، ثم يعود مرة أخرى ليسأل نفس الأسئلة ليجد الجميع وقد حفظ الإجابات عن ظهر قلب.

كانت الساعات الأخيرة مع أستاذ العلوم هي بمثابة لحظات مملؤة بالامتنان ممزوجة بالفرحة والحزن، الامتنان بالطبع لمثاليته النادرة في مدى حرصه على مصلحتنا والتحدي الذي يمتلكه في تحفيظ التلاميذ للعلوم بلا مقابل وأما الفرحة فلأننا أصبحنا متفوقين في العلوم ونضمن الحصول على درجة عالية، وبالنسبة للحزن فلأننا سنودع المعلم الفريد (المثالي) صاحب اليد المضيئة في المدرسة.

لم أكن أعرف معنى التدريس إلا في تلك السنة الأخيرة من المرحلة الابتدائية، وقد بكينا لانتهاء حصص العلوم وتمنينا لو نقابل أستاذنا مرة أخرى في المرحلة الإعدادية ولكننا لم نصادفه ولم نصادف مثله، ربما ليظل هذا النموذج الكلاسيكي المنفتح في آن واحد هو المثال وهو الملهم والصانع للأمل في قلوبنا، فالحياة مثلما تحوي الشر والفساد فإنها تحوي الخير والمثالية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد