لكي نكون على قدرٍ لائق من الدقة؛ فإنه من المهم التنويه قبل البدء بأن هذه المقالة تتعامل مع مصطلح «البِمبريالية» كمصطلح فلسفي، وليس مجرد تحوير ساخر لمصطلح الإمبريالية، كما فعل المبدع أحمد رجب في رائعته «فوزية البرجوازية»، والتي تحولت إلى فيلم سينمائي يحمل الاسم نفسه. البِمبريالية مصطلح فكري رصين مناسب لوصف الحالة العامة اليوم في أغلب المجتمعات العربية.

لو لم يكتب أحمد رجب سوى هذا النص لكفاه، ولو لم تؤد نبيلة السيد أي دور آخر في مسيرتها الفنية الحافلة سوى دورها في ذلك الفيلم لاستحقت من أجله الخلود مع كافة المشاركين معها، وعلى رأسهم أبو بكر عزت.

يتناول الفيلم كرؤية قريبة؛ تأثير المصطلحات السياسية والثقافية في التحكم في مجتمعات بأسرها ودفعها عبر توظيف تلك المصطلحات نحو مزيد من التشرذم.

أما من منظور أبعد؛ فهو يحمل رؤية عما تفعله الثقافة المُسيّسة حين تستغل المجتمعات البسيطة دون مراعاة للضمير والأخلاق والأمانة في حماية تلاحم المجتمع، دون النظر لأهمية ترابطه في توفير الأمن بكافة صوره للفرد والمجتمع. دون التفكير ببشاعة الجرم الذي يرتكبه بعضهم حين يستغلون عامدين بساطة المجتمع؛ فيعبثون ببنيته الدينية أو الاجتماعية أو الثقافية والفكرية لتحصيل مكسب مادي دنيوي حقير.

لقد أبدع الكاتب في تناول هذه الزاوية تحديدًا من الجهتين، حين جعل من الفكرة ككل مرآة تعكس في كل مشهد الزاوية والفئة التي يتناولها المشهد، ليوضح النص ما اقترفته الثقافة من «كبائر» بحق المجتمع والبسطاء، وما ارتكبه البسطاء من ذنوب بحق الثقافة والمثقفين.

الجميل في الأمر أنه فعل دون أي إدانة لأيٍ من الطرفين، ودون إدانة حتى للشيطان الذي تسبب بتحويل حارة قاهرية تعج بالفقراء والأميين والبسطاء، إلى ساحة حرب يتناطح بها البيت الأبيض ضد الكرملين الأحمر، ولا عزاء للفنون التشكيلية حين يمنحها التاريخ درسًا في الألوان، بأن التماس بين الأحمر والأبيض لن يكون ورديا دائمًا.

يبدأ الفيلم بموقف بسيط وتافه للغاية، خلاف بين جارتين حول بنطلون سقط من حبل الغسيل. ولأننا نظن بأن العربية كافية جدًا ليفهم العرب بعضهم بعضًا، ولأن الجارتين تمثلان فئتين مختلفين تمامًا على المستوى الثقافي والاجتماعي؛ كان لأحمد رجب رأي آخر، وكم أجاد وأصاب – رحمه الله-.

بدأت الأزمة حين وصفت الجارة المثقفة جارتها البسيطة بالبرجوازية، وعلى طريقة البسطاء استدعت فوزية البرجوازية جاراتها، وعقدت اجتماعًا عاجلاً لمجلسها الاستشاري، لتسأله عن معنى «دُرجوازية»، فتدارس المجلس الكلمة جيدًا، ثم توصل لنتيجة حاسمة بأن برجوازية تعني «ست هزؤ» أو «ست بطالة»، والعهدة على فريق المستشارين الست جمالات والست أم خيشة!

ثم اشتعلت الحرب

وكما هو متوقع؛ كان لكل مشارك بها زاويته التي يفهم من خلالها العالم. بعضهم من البسطاء تعامل مع رمزية الأبيض والأحمر كدلالة لفريقي الأهلي والزمالك، فشارك في الحرب من منطلق حماسة رياضية بريئة، وبعضهم الآخر من المثقفين تعامل معها استسلامًا لهوس فكري سياسي ولكنه ساذج، ساذج حد أن يقتنع كاتب مثقف بأن حلاق الحي عميل إمبريالي، وأن ردود فعل البقال – الغريم الزملكاوي- ليست سوى مناورة سياسية روسية للرد على تدخل أمريكا السافر في شؤون الحارة.

خلف كل هذه الأطراف المتصارعة، ستكتشف العقل المحرك الذي أمسك بخيوط اللعبة جيدًا بين يديه، فعرف كيف يوظف ببراعة تستحق التصفيق عنصرية المثقفين وسطحية الدهماء، ليجعل من أمراضهم الثقافية والحضارية جسورًا يعبر بها نحو جيوبهم فيسلب ما بها بخفة ساحر، يستحق أن ترفع القبعة لذكائه اللافت بيسراك، فيما تطبق يمناك على ما في جيبك على سبيل الحماية.

إن الحياد الذي تناول به أحمد رجب الفكرة – بمعزل عن نهاية الفيلم، والتي تعكس نتيجة حتمية في المجتمعات المترابطة- هو ما جعل الفكرة قابلة للتطبيق على امتداد الزمان واختلاف المجتمعات. وهو على الأغلب ما جعلني أربط بينه وبين مصطلح «الريبرارية» المستخدم في السعودية من بعضهم على سبيل السخرية، ومن بعضهم الآخر على سبيل ما زلت أعجز عن فهمه حتى اليوم.

الفيلم يتناول الصراع الذي عصف بمصر بين اليمين واليسار قبل ثلاثين عامًا تقريبًا، وقد أفضى بمصر لحالة شبيهة لنتائج الصراع الذي تعيشه اليوم مع اختلاف قطبي الصراع.

عانت مصر كغيرها من الدول العربية من سرطان المصطلحات، وهي حين استبدلت المصطلحات بأخرى مناسبة للمرحلة الجديدة من التشرذم، مثل من شُفي من سرطان في عضو فأُصيب بسرطان في عضو آخر، أسأل الله السلامة لي ولكم.

تمامًا مثل سائر المجتمعات العربية الأخرى، وما الحرب الطاحنة القائمة في المجتمع السعودي اليوم حول الليبرالية والسلفية والجاميّة والرجعية والتقدمية والتنوير والظلام؛ إلا تطبيق مماثل مشابه لما حدث بين فوزية «الدُّرجوازية» وجارتها المثقفة عنايات «أم كدش»، كما تناديها النبيلة الإقطاعية فوزية.

شيء مؤسف أن ينجرف الدهماء والمثقفون على حد سواء وبالدرجة ذاتها إلى حرب مفتعلة.

إنّ جنون المجتمع في الانجراف لهذه الحرب الطاحنة يترك الإنسان في حيرة، حيرة ربما تجعله يقول بأن في الأمر سحرًا، ولكن من المؤكد بأنه سحر مختلف، فالحيرة هي حصادك الوحيد حين تتابع مباراة تجمع سحر الغباء بسحر المصطلحات في ملعب وطني برعاية دينية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد