فى خطاب التنصيب، ذكر الرئيس الأمريكي، جو بايدن، أهمية مكافحة التطرف السياسي والتفوق الأبيض والإرهاب المحلى، وفي ثالث يوم له في البيت الأبيض، طلب من مكتب مدير المخابرات الوطنية إجراء (تقييم شامل لتهديدات) التطرف المحلي في أعقاب هجوم 6 يناير (كانون الثاني) على مبنى الكابيتول، والذي أسفر عن مقتل خمسة أشخاص، بالطبع كلام بايدن وحده لن يستطيع حل المشكلة، ولكن الاعتراف بأن هناك تهديدًا على الأقل، فإن ذلك يؤدي للخروج من خندق التقاعس الذي علقت فيه الولايات المتحدة منذ عقود.

إذا أمعنا النظر بعمق في المسألة الأمريكية لن تستطيع أن نفصلها عن القضايا العربية والإسلامية، وفي أوسطها مصر، وذلك لما كشفت عنه الخلفية الأيديولوجية التي تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية منذ عهد الرئيس الأسبق، جورج بوش، الذي كان مسئولًا بشكل أساسي عن إقحام الدين في السياسة (أو بالمعنى الدقيق التخفي خلف ستار ديني).

يكمن الفارق الجوهري بين المسيحية والإسلام من جهة، وبين تطبيق المسيحيين والمسلمين من جهة ثانية، فلكي تتفهم تلك القضية عليك أن تعرف المصدر الرئيسي للشريعة الإسلامية بغض النظر عن المتفلسفين والمفسرين، ثم تنظر في الجهة المقابلة إلى مصدر العقيدة المسيحية بغض النظر عن المتحذلقين وأصحاب السلطة الدينية أو السياسية.

أولًا: الشريعة الإسلامية تدعو بشكل صريح إلى دمج الدين في الشئون السياسية، ويتضح ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة المائدة الآية44)، وقوله تعالى: ﴿إنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ (سورة الأنعام الآية57)، وأيضًا قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (سورة النساء الآية 65)، وهناك كثير من الآيات الأخرى التي لا حصر لها  والتي لن يسعنا المجال لذكرها تفصيلًا، وتعد دليلًا واضحًا على النظرية القائلة بأن الإسلام دين ودولة، وذلك بلا حاجة لتأويل.

ثانيًا: العقيدة المسيحية تمنع المسيحيين بشكل جلي عن المزج بين الدين والسياسة، حيث قال السيد المسيح ما لله لله وما لقيصر لقيصر، فالعلاقة بين الكنيسة والدولة تقوم في الفهم المسيحي، على الفصل بين المؤسسة الدينية والمؤسسات الزمنية في شؤون السياسة والإدارة والأحزاب، تعرِّف الكنيسة عن ذاتها بوصفها «كيانًا ذا رسالة روحية، وليس ذا رسالة سياسية».

وتأسيسًا على ذلك، تنفك لدينا أسرار العلاقات المتوائمة بين الحزب الديمقراطي والإسلاميين، فالمسألة ليست استثناء ولا تخفي ورائها طلاسم، بل إن الأساس هو المصالح التي تجمع بين بعض الأفكار الديمقراطية والإسلام، وهذا لا يعني أننا ننفي عن الجانب اليميني المسلم كافة أشكال الإرهاب ونحملها بشكل كامل لليمين المسيحي، بل نضع فقط الأمور في نصابها عن الخلفية الأيديولوجية التي تحكم كلا الطرفين، فالأصولية المسيحية تختلف في جذورها عن الأصولية الإسلامية تمام الاختلاف، ورغم التشابه الظاهري بين السلفية المسيحية والإسلامية فإن هناك بعض الخلافات الجوهرية التي تجعلهما متناقضين.

كان يجب علي وأنا أكتب عن ذلك الصراع الحاد بين العقيدة المسيحية والعقيدة الإسلامية بشتى مذاهبهما، أن أرشح لكم كتابًا من أكثر الكتب إحكامًا وتوثيقًا كما يصفه أصحابه وهو «أصول التطرف – اليمين المسيحي في أمريكا» للكاتبة المتميزة كيمبرلي بلاكر، وترجمة ومراجعة الدكتورة هبة رءوف عزت.

الكتاب يتناول أخطار الأصولية المسيحية في شقيها البروتستانتي والكاثوليكي، حيث يكشف بالوقائع والأدلة الموثقة خطر سيطرة اليمين المسيحي على العقل الأمريكي، وتستشهد بلاكر في بداية الكتاب بمقولة أحد أخطر المتطرفين الداعين للإرهاب في الولايات المتحد، ة وهو دكتور جيمس دوبسون، أستاذ طب الأطفال السابق ومؤسس منظمة (التركيز على الأسرة).

يقول دوبسون:«من يتحكم فيما يدرس للشباب وفيما يعايشون من خبرات – بمعنى ما يرون وما يسمعون وفيما يفكرون ويؤمنون هم الذين سوف يحددون مسار الأمة في المستقبل». وتعلق بلاكر قائلة: من يستطيع صياغة تلك المقولة بأفضل من دوبسون، فهو رجل يشار إليه بالبنان في أوساط المسيحيين المحافظين بأمريكا، وذلك لكونه أهم سلطة مرجعية في تنشئة الأطفال، وصوته الهادئ يصل بصفة يومية إلى أسماع الآباء والأمهات في عموم البلاد عبر ألفي إلى ثلاثة آلاف محطة إذاعية.

وتصف بلاكر دوبسون بأنه الشخص ذو النفوذ القوي الذي ينظر إليه بصفته زعيم اليمين المسيحي، وهو بطريرك إيفانجليكي يدافع عن فكرة العقاب الجسدي، ويعارض بشدة سيادة المرأة على قرارها الخاص في مسألة الحمل والإنجاب، بل يحارب فكرة الحق في ميتة كريمة، وله قدرة فائقة على تضليل الأمريكيين قليلي الدراية، فمناوراته على الساحة السياسية تجري خلسة دون أن يلحظها أحد فيما عدا أولئك النفر الذين يقبض على عقالهم ويقودهم، وهذا هو مصدر قوته ومفتاح نجاحه، وبهذا يتضح لهفة الأصولية المسيحية للسيطرة على عقول الشباب، تلك اللهفة التي تتشابه كما تقول بلاكر مع نظيرتها السلفية الإسلامية بتجسيداتها في حركة طالبان في كلٍّ من أفغانستان وباكستان.

وهذا يوضح لنا اختلاف بعض جماعات الفكر السلفي في أفغانستان عن فكر بعض جماعات الإخوان المسلمين في البلاد الأخرى، فإن الفكر السلفي الذي يتبعه الإخوان المسلمون يعد تحرريًّا منفتحًا، فهم لا يرفضون المصطلحات الفلسفية والسياسية الحديثة مثل الديمقراطية والعلمانية وكذلك الليبرالية، بل إنهم يدعون لتطبيق الديمقراطية على الرغم من إننا جميعًا كمسلمين لم نطبق الديمقراطية بشكل حقيقي، وذلك نتيجة طبيعية لحقب طويلة من الانغلاق تحت مظلة الحكم الملكي الذي يبدو نموذجيًّا إذا عقدنا مقارنة بينه وبين الحكم العسكري، وحتى إبان دولة الخلافة الإسلامية لم يكن ليقوم صراع سياسي في دولة يحكمها العدل والمساواة، ففور وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وإنتقاله للرفيق الأعلى، تقلد أبو بكر الصديق الخلافة، ومن بعده جاء الفاروق عمر بن الخطاب، ولم تتضح الصراعات إلا في أواخر عهد الصحابي الجليل عثمان بن عفان ومن بعده الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، فكانت الفتنة الكبرى.

وفي كل الأحوال فإننا نشير هنا إلى نقطة في غاية الأهمية بأن الإسلام لم يكن يومًا في عداء مع الديمقراطية لأنه جاء مؤسسًا للحرية والمساواة، بل إن القواعد الإسلامية تعد ثورة على الأعراف والتقاليد القديمة، ولكن القضية تكمن في تطبيقنا لقواعد السياسة، فإننا لا نزال كشعوب نتخبط في شكل الدولة ونظام الحكم، وهذا يعود بشكل رئيسي لأطماع الحكام وفي الوقت ذاته السلبية والجهل الذي يجعلنا نخشى الجهاد ضد الاحتلال الداخلي والخارجي.

في النهاية إذا أردنا فهم العقلية الأصولية في المجتمع الأمريكي فعلينا أن ننظر إلى الصورة كاملة ونقرأ التاريخ جيدًا لنرى أسباب الحملات الصليبية في الماضي ونرى المؤيدين والمعارضين لها في المجتمع الأوروبي، لنعرف من هم أحفاد ريتشارد قلب الأسد، ومن هم أصحاب نظرية الحرية والسلام، لنعرف إننا في موقعنا داخل العالم الكبير علينا بنفس درجة محاولاتنا المستمرة لفهم الأعداء، فإنه من الأهم أن نفهم الأصدقاء من شركاء السلام ومحبي العدل والحرية، وذلك حتى نستطيع إيجاد مكان لنا على الخريطة الدولية، وإلا فإننا سوف نصبح نسيًا منسيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد