إن أساس رقي الحضارات وتطور المجتمعات يعتمد على قطاعين رئيسيين ألا وهما الصحة والتعليم، فالاستعمار الحديث لا يرتكز على نشوب الحروب بالدبابات والأسلحة العسكرية، بل على ضرب الشعوب في المستوى التعليمي لشبابها والذين يعدون من أهم دعائم أمن المجتمعات.

كل هذا وفي سنة 2021، ما زال التعليم الجزائري يعاني الويلات، فهو يعاني من أزمة خطيرة أقل ما يقال عنها إنها «مزمنة». أزمة أضحى من الصعب حلها بسبب تفشي أسبابها وتوغلها في جل المؤسسات التربوية والتعليمية على مستوى الوطن.

ففي عصر التكنولوجيا والعولمة ما زالت طرقنا في تلقين المعارف والدروس بدائية وتقليدية، فطلابنا اليوم ما زالوا يستخدمون اللوحة والطباشير، وما زالت المناهج الدراسية في وطني تحتوي على نوع من التكدس، وتفتقر للمعلومات الجديدة والتحديثات الدورية، التي يجب أن تكون مواكبة لمختلف التغيرات التي يشهدها العالم، وما زالت تعتمد على التلقين المستمر بمعنى بضاعتكم ترد إليكم، دون خلق فضاء أو حتى مساحة ضيقة للإبداع الفكري. وتفتقر للجانب التطبيقي العلمي لتلك المناهج، والتي تعد من أكبر المشكلات التي يعاني منها التعليم إن لم نقل إنها السبب الرئيسي.

رغم الإصلاحات في قطاع التربية والتعليم العالي، فإننا ما زلنا نواجه المشكلة نفسها. تلميذ أو طالب متخرج أو منتقل إلى فصل دراسي أعلى، حاصل على شهادة ولكن دون مستوى. فالمسؤولية مشتركة هنا، فالطالب هدفه الوحيد حاليًا هو الشهادة، لا يهتم بما سيحصل عليه من معلومات أو معارف أو فوائد، بحكم أن الشهادة التي سيحصل عليها سيعلقها على الحائط ويتمعن فيها بسبب غياب مناصب الشغل فلماذا يتعب نفسه، والآخر همه الوحيد هو النجاح والعبور للفصل الموالي بأي طريقة ممكنة، دون أن يعير اهتمامًا لمستواه الحقيقي هاته النقطة الأولى.

ثانيًا ميزانية التعليم سواء كان (التعليم العالي أم التربية والتعليم) في الجزائر قدرت هاته السنة بـ6 ملايين دولار للتربية والتعليم، و3 ملايين دولار للتعليم العالي، بربكم أهاته ميزانية كافية لقطاع يعتمد عليه في بناء الأمة، لقطاع لا يختلف اثنان على مركزيته في التنمية المستدامة، فالتعليم بكل مراحله ومستوياته هو عصب كل بناء اجتماعي وثقافي واقتصادي وحضاري. أبهذه الميزانية سنوفر النقل لتلاميذتنا الذين يعانون الآهات في القرى والمدن النائية خصوصًا في فصل الشتاء، إلى أن وصل الحال ببعضهم إلى التوقف عن مزاولة التعليم بسبب عجزهم عن الالتحاق بمقاعد الدراسة، أبهذه الميزانية سنوفر وجبات لائقة لأبنائنا وتلامذتنا وبناة وطننا تساعدهم على العطاء وتفجير مواهبهم. فالعقل السليم لا بد له من جسم سليم والجسم السليم لا بد له من طعام، وعذرًا على الكلمة، طعام شريف.

دون أن ننسى أهم ضلع في عملية التعليم ألا وهو الأستاذ، الذي يقول المثل إن أردت أمة تقود الأمم ينبغي أن تبدأ بالصغار فكيف ذلك؟الأداة الوحيدة لنهضة الأمة هي المعلم الذي يتعامل مع فلذات أكبادنا، نواة مجتمعنا، صمام أمننا، فليس من العدل أن ننتظر منه أن يقدم كل ما لديه ويفجر طاقاته، وهو خارج القاعة يفكر كيف يغطي مصاريف الكهرباء والروضة والكراء وما إلى ذلك. ووجب عليه أيضًا ألا يمرض هو وأهله وعياله ولا يفكر أبدًا في السفر من أجل التنزه. في الجزائر الأستاذ يتقاضى مرتبًا يتراوح ما بين 150 إلى 250 يورو شهريًّا كيف تريدون أن يقدم الإضافة المرجوة منه هنا. والمخزي في الأمر هو تأخر صب الراتب من حين إلى آخر، حتى يحس نفسه أن الحكومة تتصدق عليه؟ وإذا استطاع بهذا المرتب العالي أن يشتري سكنًا وينتقي سيارة فهو يعد بالنسبة له إنجازًا عظيمًا، وقد حقق ما عجز عنه الكثيرون من أقرانه. ناهيك عن القرارات التعسفية التي تصدر في حقه من حين إلى آخر من طرف الوزارة الوصية، والتي تجعله يبغض المهنة ويبغض التدريس ويبغض القسم ويبغض كل ما يربطه بالعملية التعليمية. فالمثل الياباني يقول ابتعد على المعلم سبعة أقدام حتى لا تدوس على ظله بالخطأ، فإن دل هذا على شيء فهو يدل على علو مكانة المعلم ورفعة مقامه، وهو الذي كاد أن يكون رسولًا إلى أنه في بلادي للأسف يهان ويضرب ويعتقل لمجرد مطالبته بحقه المشروع.

لا يمكن أن نصبح مثلهم في التعليم «العالم الغربي» حتى ولو كنا نتقدم مرة على مرة، وبين الفينة والأخرى إلا أنهم أيضًا يتقدمون ولكن بسرعة أكبر منا، والفجوة بيننا وبينهم تكبر بمرور الزمن. فلو أدركنا أنه يجب علينا صب جل اهتمامنا على التعليم فلزامًا علينا، أن ننطلق من حيث انتهوا ونسرع في التقدم لعلنا نسد تلك الفجوة وننافسهم على الأقل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد