سعيدة قراش النّاطق الرّسمي باسم الرّئاسة تتّهم رئيس الدّولة السّابق الدكتور المنصف المرزوقي بتسليم جزء من الأرشيف الوطني إلى دولة أجنبية قاصدة بذلك قطر، ومكرّرة لتصريحات منسوبة لزياد كريشان سبق وأن نفاها، بل توعّد من نشرها ونسبها إليه بتتبّعه قضائيًا، قد تكون الرّفيقة المناضلة الوطدية لم تحط علمًا بالمستجدّات لكثرة انشغالها لما يجري في القصر من تسخين لقدر ممتلئ بماء ملوّث مع بعض الحصيّات كطبخة موعودة لجماهير متأزّمة على وشك فقد عقولها، وربّما تدفعها بطونها إلى الانفلات وقلب المعطيات والقيام بأجمل الثورات: ثورة من أجل نظام رئاسي يعيد الهيبة المهدورة للقصر، ويعيد صورة الحاكم بأمره المخلّص والمنقذ، من بيده حلّ عسير الأزمات.. لا حلّ في الأفق لدكتاتورية الأقلّية و عقليّة الملّاكة، ولكلّ الطّفيليات الّتي لفظتها الأرض إلا في مستبد، شبه إله ولو كان من حلوى، فهو باعتقادهم القادر على أن يحكم جماهير يمكن توجيهها بقطع حلوى، ولا يمكن ذلك إلا بفكّ عقدة الورطة الدستورية التي وقعوا فيها، واستعادة النّظام الرّئاسي، ففخامة رئيس الجمهورية المسكون بهوس ارتداء بيجامة الزّعيم الأوحد، والنّوم على سريره لم يجد إشباعًا فيما ناله، ويتمنّى أن يعيش يومًا من أيّامه المجيدة قبل أن يغمض له جفن، وهو حريص على أن لا تخرج السّلطة عمّن يعتقدهم ملاكة جينيًا منذ أن سلّم المستبدّ الخارجي مناولة إدارة البلاد إلى المستبدّ الدّاخلي.

هم يعتقدون جزمًا بأنّ ما حصل في تونس من دستور وإرساء لبعض مؤسّساته وبعض الخطوات في مسار ديمقراطي متعثّر هو مجرّد حادث طريق وخروج عن المسار الطّبيعي لشعب غير ناضج وغير مهيّأ للحرّية والدّيمقراطية ولا يستحقّ حياة كريمة، فكيف له أن يختار من يحكمه أو يشارك في قرار أو رقابة؟

وكيف لهم أن يضمنوا صندوقًا لا يأتي لهم بالمرزوقي أو شبيهه؟

النّاطق الرّسمي باسم رئاسة الجمهورية تتحدّث وكأنّها تثرثر في حمّام أو سوق، وكان عليها أن تتمسّك ببعض الاتزان والرّصانة وأن تستشير مستشاريها عن خطورة ما تتفوّه به، فادّعاؤها هو بمثابة وصم بالخيانة العظمى لرئيس بفرض الاحترام على عدوّه قبل صديقه، ويشهد له بالأمانة والصدق والإخلاص كلّ من تعامل معه.

ماذا سرّب الدكتور المرزوقي، ولماذا سرّب؟ وبماذا سينتفع الجانب المسرّب إليه؟

يقولون إنّه جزء من الأرشيف الوطني، هذا الأرشيف الّذي تلاعبوا به كيفما شاءوا ورفضوا طلبًا لهيئة الحقيقة والكرامة بأن تضع عليه يدها لحفظه واليوم يستبقون ردًا على استفسارها حول فقدان بعضه بأنّ المرزوقي من تسبّب في ذلك.. كاد المريب أن يقول خذوني.. لا شكّ أنّ 40 ألف قوّاد قد أربكتهم، خصوصًا أنّ من بينهم من الثّوريين والوطنيين ومطلقي الزّغاريد الأيديولوجية الكثير، ومنهم من يتصدّر الآن المنابر الإعلامية من صدعوا رؤوسنا بعويلهم وبترذيلهم لكلّ أشكال النّضال واستهجانهم لمسار العدالة الانتقالية، مردّدين شعارهم (بكم كيلو النّضال) ليجدوا إجابة مقابلة: (بكم كيلو القوادة).

لا غرابة في استحضار المرزوقي الّذي برغم كلّ كمّ الهرسلة و الدّعاية السّوداء الّتي تعرّض لها يبقى رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه حيث يتصدّر قائمة النّوايا الانتخابية حسب أبرز مؤسّسات سبر الآراء العالمية المحترمة، وسيبقى الرّئيس المحترم العربي الدّيمقراطي الوحيد الّذي شهدته منطقة الاستبداد العربي، رئيس له أخطاؤه الّتي لا ترتقي إلى الخطايا، فهي بالأساس اتّصالية وفي اختيار بعض مستشاريه وقد سبق أن استنفدوا جهودهم في البحث عمّا يسقطه معنويًا فلم يجدوا سوى البرنس وبعض سمك القاروص وكَمْية الحمص، وتركوا كلّ الشعب التونسي متشوّقًا لمعرفة نوع النّبيذ الّذي يحبّذه!

طالما سوّقوا إلى أنّ الدكتور المرزوقي كان مزيجًا من العقد، وهو براء من ذلك، وهم المصابون بعقدته: عقدة المرزوقي أو متلازمة المرزوقي شفاهم الله منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد