دأبت منذ سنتين وفود إعلامية تونسية على التقاطر على دمشق ولقاء مسؤولين من نظام الأسد بحجة تقديم الاعتذار باسم الشعب التونسي على مشاركة مقاتلين من أبنائه في الحرب الأهلية الدائرة رحاها في سوريا منذ 2011 والوقوف إلى جانب سوريا أمام «المؤامرة الكونية التي تستهدفها».

وفي اكتوبر الماضي، قام وفد إعلامي تونسي آخر بزيارة العراق، زيارة أثارت جدلا كبيرا في تونس خاصة بعد اجتماع الوفد بنوري المالكي رئيس الحكومة الأسبق، واتهم الوفد بالتهليل لانتصارات إيران في العراق. من جهته عبر أعضاء الوفد حينها عن رغبتهم في «مواجهة الصور الخبيثة التي تنقلها وسائل الإعلام عن الوضع في العراق»، مشيدين «بالأمان الذي تنعم به العاصمة بغداد».

وفي شهر فبراير (شباط) الفارط فوجئ التونسيون بمحسن مرزوق زعيم حركة مشروع تونس (المنشق عن حزب نداء تونس الحاكم) وبعض أعضاء حركته في زيارة إلى بنغازي التقى فيها خليفة حفتر قائد ما تسمى «عملية الكرامة»، بحجة «دعم مبادرة رئيس الجمهورية حول التسوية السياسية الشاملة في ليبيا». الرئاسة نظرت إلى الزيارة بسلبية ونفت على الفور علمها بها مؤكدة على أن «وزير الخارجية التونسي هو الوحيد المخول رسميا بتنفيذ السياسة الخارجية لتونس».

وفي مطلع هذا الأسبوع توجه وفد برلماني تونسي مؤلف من سبعة نواب (من تيارات قومية ويسارية) إلى دمشق معلنا أن «الزيارة تتمحور حول سبل التعاون بين تونس وسوريا وحول ملف الإرهاب». يذكر أن بعض أعضاء الوفد هم في الآن نفسه أعضاء في لجنة برلمانية شكلت للتحقيق في شبكات تسفير المقاتلين من تونس إلى بؤر التوتر. ويعتبر هذا الملف محور اختلاف وتجاذبات واتهامات متبادلة بين الأحزاب التونسية منذ 2013 إبان فترة حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة، حيث دأبت المعارضة على اتهامها بالانخراط في شبكات تجنيد وتسفير الشباب التونسي إلى ليبيا وسوريا. اتهامات ترفضها النهضة وتطالب بالتحقيق فيها معتبرة أن «كل تدرب على استعمال السلاح وكل مشاركة في القتال بعيدا عن الراية الوطنية يعتبر بحسب قانون الإرهاب عملا إرهابيا مهما كانت الجهة التي يقاتل معها»، خاصة مع رواج أخبار تفيد بقتال تونسيين يساريين وقوميين إلى جانب النظام السوري. للتذكير أيضا كان حزب نداء تونس الحاكم قد جمد مؤخرًا عضوية إحدى نائباته ليلى الشتاوي بعد أن اتهمت أطرافا في الحزب بالتورط في تسفير الشباب التونسي إلى ليبيا وسوريا.

ولم يكتف أعضاء الوفد البرلماني بلقاء رموز عن النظام السوري بل تحول بعضهم إلى مراسلين صحفيين يكذبون ويفندون أخبار المعارك الدائرة في الأحياء الشرقية للعاصمة السورية، ففي اتصال هاتفي مع موقع إخباري تونسي أكد منجي الرحوي أحد أعضاء الوفد البرلماني (عن الجبهة الشعبية) أن «ما يتم الترويج له في عدد من وسائل الإعلام لا أساس له من الصحة» وأن «الوضع تحت السيطرة».

رد وزارة الخارجية التونسية عن زيارة الوفد البرلماني لم يتأخر كالعادة، إذ نفى أمس وزير الخارجية خميس الجهيناوي علمه بزيارة البرلمانيين إلى دمشق وصرح بأن الوفد لم ينسق مع الوزارة بشأنها.

هذه الفوضى والتجاذبات الأيديولوجية إضافة إلى الأجندات المشبوهة والعلاقات بجهات خارجية وإقليمية تحكم المشهدين السياسي والاعلامي في تونس منذ سقوط نظام بن علي وإلى اليوم، وجميع هذه الوفود الإعلامية والبرلمانية حين تذهب إلى سوريا أو ليبيا للقاء طرف واحد من أطراف النزاعات القائمة في البلدين، إنما هي تتصرف من تلقاء أنفسها ولا تعبر إلا عن آراء أصحابها ولا تخدم إلا مصالحهم الضيقة بينما تدعي كذبا أنها تمثل الشعب التونسي ومفوضة منه.

من المؤكد أن هذه الزيارات واللقاءات تحظى بموافقة وتهليل شريحة هامة من التونسيين الذين كفروا بالثورة في تونس  بعد ما آلت إليه الأوضاع من تراجع وانحدار على المستويين الاقتصادي والأمني، وانسحب رفضهم هذا على كل الثورات في الدول العربية وترجموه أساسا بمساندة أنظمة القمع ووصم الثوار بالإرهاب.

وإذ يجمع التونسيون على رفض سفر المقاتلين وتدخل أي طرف أجنبي في القتال الدائر بين أبناء البلد الواحد، إلا أن نسبة هامة منهم تساند ثورة الشعب السوري وتوقه للتحرر من نظام متسلط حكمه لعقود وأوغل في دماء أبناء شعبه قصفا وقتلا وتهجيرا، كما لم يتورع عن الاستقواء بالأجنبي الإيراني والروسي إضافة إلى الميليشيات الطائفية على مواطنيه.

أغلبية الشعب التونسي اكتوت بنار الاستبداد وعايشت تسلط الديكتاتورية، ومثلما تصبو إلى العيش في جو من الحرية والديمقراطية فهي كذلك تساند تطلعات وآمال الشعوب العربية الأخرى للانعتاق من الظلم والحكم العسكري، وترفض أن يساهم تونسيون، سياسيين كانوا أو إعلاميين، في إضفاء شرعية زائفة على أنظمة استبداد مازالت قائمة أو أي مشاريع أنظمة استبداد مستقبلية.   

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد